بين واقع الأمة ودلالات قصة موسى في مواجهة الطغيان

البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي 

في خضم التصعيد المتواصل في غزة، والتوتر الممتد إلى لبنان، والتحولات الجارية في الضفة الغربية وسوريا، يستدعي السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله، دلالات ايمانية وسياسية لقصة نبي الله موسى عليه السلام في مواجهة فرعون، بوصفها نموذجًا قرآنيًا متكاملًا لصراع الحق والباطل،  هذا الاستدعاء لا يأتي باعتباره سردًا تاريخيًا، بل بوصفه إطارًا تفسيريًا لفهم ما يجري اليوم، طغيان يتجلى في القوة العسكرية المفرطة، وصمت عالمي ، وشعوب تبحث عن يقين يعيد ترتيب المعادلة الأخلاقية والسياسية.

 

الطغيان في الميزان القرآني

قدم السيد القائد قصة موسى عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم فرعون بوصفه نموذجًا للطغيان السياسي، سلطة مطلقة، واستعلاء، وتسخير للناس، وترويع للمجتمع، وإصرار على احتكار الحقيقة، وفي استحضار دلالات هذه القصة، يُنظر إلى مشاهد القصف الواسع، والحصار، والضحايا المدنيين، بوصفها تجليات حديثة لفكرة العلو في الأرض، كما أن الدلالة  ليست مقارنة حرفية بين شخصيات تاريخية وواقع سياسي، بل قراءة رمزية مفادها أن كل مرحلة تاريخية تشهد صراعًا بين سلطة القوة المجردة ومنطق العدالة.

 

بين السلام وميزان القوة ..  درس المواجهة المؤجلة

يؤكد السيد القائد في قصة موسى، بأن  فرعون لم يكن مستعدًا لتقديم تنازل حقيقي رغم كل الآيات، بل ظل متمسكًا بخطاب الهيمنة حتى اللحظة الأخيرة، هذا البعد يُستحضر في نقد بعض السياسات العربية التي تراهن على تسويات سياسية في ظل اختلال واضح في ميزان القوة، والسؤال الذي يطرحه هذا الخطاب، هل يمكن تحقيق سلام عادل دون إعادة توازن المعادلة؟
وهل تضمن الشعارات السياسية وحدها حماية الحقوق إذا لم تسندها أوراق ضغط حقيقية؟
الخطاب الذي يستدعي قصة موسى يؤكد أن السلام الذي لا يقوم على عدل راسخ قد يتحول إلى هدنة مؤقتة لا تغيّر جوهر الصراع.

 

الجرائم والصدمة الأخلاقية

الدمار الواسع في غزة، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتصاعد التحذيرات الدولية من كارثة إنسانية، كلها مشاهد أحدثت صدمة أخلاقية عميقة في الوعي الجمعي العربي، وفي القراءة الدلالية لقصة موسى عليه السلام، كانت لحظة انكشاف الغرق نهاية حتمية لمسار طويل من العناد والطغيان،  هنا يُطرح مفهوم السنن الإلهية أي أن الطغيان، مهما امتد، يراكم عوامل سقوطه،
هذه الفكرة تحمل بعدًا نفسيًا مهمًا، زرع الأمل وسط مشهد قاتم، والتأكيد أن التاريخ لا يستقر دائمًا على موازين مختلة.

 

الشعوب بين الخوف والإرادة

في قصة موسى، كان بنو إسرائيل يعيشون حالة استضعاف وخوف، لكن التحول بدأ حين تبدلت الحالة النفسية، وانتقلوا من الخوف الكامل إلى الاستجابة لنداء التحرر،  في الواقع المعاصر، تتجسد حالة مشابهة في الفجوة بين موقف رسمي متحفظ، ومزاج شعبي غاضب ومتضامن مع الفلسطينيين، وواقع سياسي يشير إلى أن التحولات الكبرى لا تصنعها الجيوش فقط، بل تصنعها أيضًا إرادة الشعوب حين تتراكم قناعاتها وتتحول إلى فعل منظم.

 

بين العقيدة والعمل

من أبرز مضامين الخطابات ذات المرجعية الدينية التأكيد على أن نصر الحق “وعد إلهي”.
لكن قراءة قصة موسى تكشف أن الوعد لن يتحقق دون صبر طويل، ومواجهة مباشرة.
ثبات نفسي، واستعداد لتحمل كلفة عالية.،
بمعنى آخر، الوعد ارتبط بالفعل، لا بالانتظار السلبي،  هذه النقطة تمثل مفترق طرق في الخطاب المعاصر.

 

النص القرآني مرآةً للواقع

استدعاء قصة موسى عليه السلام في قراءة المشهد الحالي ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل محاولة لفهم الحاضر عبر سننٍ تتكرر بصيغ مختلفة عبر العصور،  الطغيان قد يتبدل شكله، وأدوات القوة قد تتطور، لكن معادلة التاريخ  كما قدمها السيد القائد لا تستقر على الظلم إلى الأبد،
غير أن الدرس الأعمق في القصة ليس فقط سقوط الطغيان، بل مسؤولية المؤمنين في الإعداد والتحرك والصبر،  وبين مشهد الدم في غزة، والتجاذبات في الموقف العربي، وتراكم الأسئلة الكبرى حول مستقبل المنطقة، يبقى السؤال معلقًا،  هل تتعامل الأمة مع قصص القرآن باعتبارها رموزًا ملهمة فقط، أم باعتبارها منهجًا يتطلب وعيًا وعملًا طويل النفس؟