القرآن مشروع نهضة وقوة.. قراءة في رؤية الشهيد القائد لبناء الإنسان والأمة
البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي
في زمن تتزاحم فيه المشاريع الفكرية، وتتعدد فيه مصادر التأثير الثقافي والسياسي، تبرز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، بوصفها مشروعًا نهضويًا متكاملًا يعيد تعريف موقع القرآن الكريم في حياة الأمة، ليس باعتباره نصًا للتلاوة والتبرك فحسب، بل باعتباره منهجًا شاملًا لبناء الوعي وصناعة القوة واستعادة العزة، لقد وضع الشهيد القائد في صميم رؤيته سؤالًا مصيريًا، من نحن؟ وعلى أي أساس نبني ثقافتنا وحركتنا؟ وجاءت الإجابة حاسمة وواضحة، أن القرآن الكريم هو الأساس، وهو العنوان، وهو المنطلق، هذه الرؤية لا تنطلق من خطاب وعظي تقليدي، بل من قراءة عميقة لأزمة الأمة، تشخص مكامن الضعف والانكسار، وتقدم القرآن باعتباره العلاج الجذري لكل مظاهر التراجع الحضاري والروحي والسياسي.
القرآن الكريم .. مشروع حياة
في أبرز ما يلفت النظر في رؤية الشهيد القائد، التي فصلها في ملزمة الثقافة القرآنية ذلك الإصرار الواضح على تحويل القرآن من حضور شكلي في حياة المسلمين إلى مركز فاعل في تشكيل العقل والوجدان والموقف، حين يؤكد أن، “ثقافتنا قرآنية” ، فهو لا يتحدث عن مجرد دراسة علوم التفسير أو الحفظ، بل عن إعادة بناء العقل المسلم على أساس قرآني خالص، بحيث يصبح القرآن مرجعًا في، التفكير ، والرؤية، والسلوك، والقرار، والموقف من قضايا الأمة، إنها دعوة إلى أن يكون القرآن موجّهًا للحياة اليومية، ومصدرًا للحلول، ومنهجًا في إدارة الصراع والتحديات.
تشخيص الأزمة .. ضياع القيم قبل ضياع الأرض
واحدة من أهم الدلالات في هذه الرؤية أنها تربط بين واقع الأمة المتراجع وبين ضياع القيم القرآنية، فالشهيد القائد يذهب إلى أن الأمة لم تُهزم فقط عسكريًا أو سياسيًا، بل هُزمت أولًا عندما فقدت، الكرامة، والشجاعة، والنجدة، والإباء، وروح التضحية، وهنا تتجلى قراءة عميقة لواقع المسلمين، حيث يرى أن الانكسار الخارجي هو نتيجة مباشرة للانهيار الداخلي، إن ضياع القيم وفق رؤية الشهيد القائد هو أخطر من ضياع الموارد، لأن الأمم يمكن أن تستعيد إمكاناتها، لكنها إذا فقدت روحها وهويتها تصبح عرضة للذوبان والانهيار.
نقد المعرفة الجامدة .. ليست كل الكتب علمًا
من أبرز أبعاد الرؤية القرآنية للسيد القائد أيضًا النقد الحاد لثقافة التكديس المعرفي الشكلي، فالشهيد القائد يرفض أن يُختزل العلم في كثرة الكتب والمجلدات، محذرًا من أن المعرفة قد تتحول إلى أداة تضليل إذا انفصلت عن القرآن، هذا الطرح يفتح بابًا واسعًا للتأمل في واقع الثقافة العربية والإسلامية، حيث قد تتراكم المعارف، لكن دون أن تنتج وعيًا حقيقيًا أو مشروعًا نهضويًا، فالميزان هنا ليس كم قرأنا، بل ماذا صنعت القراءة فينا، هل صنعت قوة؟ وهل صنعت بصيرة؟ وهل صنعت موقفًا؟ ، وإن لم تفعل، فإنها تتحول إلى عبء لا إلى نور.
من الوعي إلى القوة .. القرآن يصنع الموقف
الجانب الأشد قوة في هذه الرؤية يتمثل في الربط المباشر بين الثقافة القرآنية وبين امتلاك الموقف الصلب، فالشهيد القائد يقدم القرآن باعتباره مصدرًا للقوة والعزة، لا مصدرًا للانعزال أو الضعف، ويؤكد أن من يحمل القرآن دون أن تنعكس تعاليمه على مواقفه العملية، خاصة في مواجهة أعداء الأمة، إنما هو بعيد عن جوهر القرآن وإن كان يتلوه ليلًا ونهارًا، هذه الدلالة تكشف أن الرؤية تتجاوز البعد الفردي إلى البعد الحركي والسياسي، حيث يصبح القرآن أساسًا لصناعة الإنسان القادر على، تشخيص العدو وفهم التحديات والثبات في الموقف والمواجهة بثقة وعزة.
تحذير من أمية أخطر من الجاهلية
في واحدة من أقوى العبارات دلالة وتأثيرًا، يحذر الشهيد القائد من أن الابتعاد عن القرآن سيقود الأمة إلى أمية أسوأ من الجاهلية الأولى، هذه ليست أمية القراءة والكتابة، بل أمية الوعي والهوية والموقف، أمية تجعل الأمة بلا دين ولا كرامة ولا شجاعة ولا إحساس بالمسؤولية، وهو تحذير شديد اللهجة من أن التراجع الحضاري قد يصل إلى مستوى فقدان أبسط القيم الإنسانية والفطرية.
رؤية لبناء أمة لا مجرد أفراد
تكشف هذه الرؤية بوضوح أن الشهيد القائد لم يكن يطرح خطابًا تربويًا محدودًا، بل كان يؤسس لمشروع متكامل عنوانه إعادة بناء الأمة من بوابة القرآن، إنها رؤية تجعل من القرآن مصدرًا للمعرفة، وأساسًا للنهضة، ومنبعًا للقوة، ومرجعية للموقف، وطريقًا لاستعادة العزة، وبهذا المعنى، فإن الخطاب يقدم تصورًا شاملًا لمشروع نهضوي يرى أن خلاص الأمة يبدأ من العودة الواعية إلى القرآن ثقافةً ومنهجًا وحركةً وموقفًا.