عقدة الرابط الحدودي ووهم “بيت العنكبوت”: لماذا يستميت الاحتلال على أبواب بنت جبيل؟
رسالة من الميدان
البيضاء نت | تحليل طلال نخلة
بعد مرور 45 يوماً من الملاحم البطولية المتواصلة، تقف الجبهة الجنوبية للبنان شاهدة على تخبط استراتيجي وتكتيكي غير مسبوق لجيش الاحتلال الإسرائيلي. لفهم ما يجري حقاً في الجنوب، بعيداً عن البروباغندا الإعلامية الصهيونية، يجب تسليط الضوء على “عاصمة التحرير”؛ مدينة بنت جبيل. هذا التقرير يفند بالوقائع العسكرية، والجغرافيا، وعلم التكتيك، حقيقة الميدان هناك.
أولاً: من حصار “المنطقة” إلى حصار “المدينة” (تحول الانكسار)
لفهم الإنجاز الميداني العظيم للمقاومة، يجب قراءة التبدل في أهداف العدو. جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبعد أسابيع من المحاولات الفاشلة، اضطر صاغراً لتعديل أهدافه التكتيكية متخلياً عن هدف عزل وحصار “منطقة” بنت جبيل الجغرافية الواسعة، ليتقلص هدفه إلى محاولة حصار “مدينة” بنت جبيل فقط.
أين فشل العدو استراتيجياً؟
محور (القوزح – وادي العيون – رشاف – حداثا): عجز العدو عن الوصول إلى بلدة حداثا، حيث تم إيقافه وتثبيته واستهدافه بقسوة في بلدة رشاف.
محور (عيترون – وادي السكيكية – وادي السلوقي): فشل العدو تماماً في الوصول إلى وادي السلوقي.
النتيجة العسكرية: عجز الاحتلال عن عزل منطقة بنت جبيل والقرى المحيطة بها كقطاع جغرافي واسع، سواء عن القطاع الغربي (من ناحية حداثا) أو عن القطاع الأوسط (من ناحية برعشيت وشقرا).
ثانياً: لماذا بنت جبيل؟ (أزمة العمق والربط الجغرافي)
بمعزل عن الدعاية الإسرائيلية والبحث عن “صورة نصر” مزيفة في الملعب الذي شهد إعلان “خطاب بيت العنكبوت”، فإن الحاجة الإسرائيلية لبنت جبيل هي حاجة عسكرية وجيواستراتيجية بحتة:
أزمة عمق التوغل: في كل توغلاته على امتداد الجبهة اللبنانية، لم يستطع العدو تجاوز عمق 10 كلم. أقصى نقطة وصل إليها كانت حوالي 8 كلم في منطقة البياضة.
أزمة الربط الحدودي (إسقاط فكرة الحزام الأمني): تمتد الجبهة من الناقورة غرباً إلى شبعا شرقاً (حوالي 140 كلم). العدو يدرك تماماً أنه بدون احتلال بنت جبيل، سيبقى القطاع الغربي معزولاً تماماً عن القطاع الشرقي.
الخلاصة: من دون بنت جبيل، تصبح توغلات العدو مجرد “جيوب معزولة” قليلة العمق (حتى لو بلغت 6 كلم) لا قيمة عسكرية ولا وظيفة ميدانية لها، وتسقط فكرة “الشريط الحدودي” بالكامل.
ثالثاً: جغرافيا الحصار واستغلال الديموغرافيا
أمام عجزه عن عزل المنطقة، لجأ العدو إلى محاولة خنق المدينة من اتجاهاتها الأربعة:
الجنوب الغربي: ناحية دبل، عين إبل، ورميش.
الشمال الشرقي: ناحية “صف الهوا” (عيناتا وعيترون).
الجنوب: ناحية يارون.
الجنوب الشرقي: ناحية مارون الراس (من المهنية باتجاه مجمع أحمد عباس).
خبث التكتيك واستغلال القرى: اعتمد العدو كمحور تقدم أساسي لمهاجمة المدينة على ناحية بلدتي (دبل – عين إبل). هذا ليس صدفة، بل هو استغلال خبيث للديموغرافيا؛ فهذه القرى لا تضم قواعد نيران أو بيئة حاضنة للمقاومة تتيح التحشد الآمن والعبور، والعدو يدرك أن استهداف تجمعاته داخل هذه القرى سيخلق “مشكلة سياسية داخلية” لبنانية. لقد جاء هذا الالتفاف بعد أن ذاق العدو الويلات في محاولات التقدم من جهة عيناتا وعيترون (وبيانات المقاومة حول ملاحم “تلة فريز” و”غدماثا” خير دليل).
رابعاً: تكتيكات العدو داخل المدينة (التهيب الميداني والاستطلاع بالنار)
يعيش العدو حالة من “التهيب والإرباك” في مقاربة حرب المدن داخل بنت جبيل، وتتجلى تكتيكاته حالياً في:
تقنين بشري وآلي: أعداد الآليات والجنود المتوغلة مقننة جداً خوفاً من الكمائن.
الاستطلاع الأعمى: يعتمد إدخال آليات مسيرة موجهة لاسلكياً لكشف مصادر نيران المقاومة واستعداداتها.
التفخيخ عن بُعد: إدخال مجموعات هندسية للتفخيخ والحرق عند الأطراف (كما حدث يوم الأربعاء الماضي حين استغلوا مبنى بجانب بنك عودة على مدخل السوق من جهة مستشفى صلاح غندور لتفجيره وتصويره إعلامياً).
خامساً: معجزة الصمود.. معالم لم تدنس
رغم الحصار المزعوم، والتموضع على خطوط الإمداد، والقصف التدميري، ومحاولات الاستطلاع بالنار، تقف بنت جبيل بمعالمها الرمزية عصية على السقوط. حتى اللحظة، فشل العدو في إنهاء المقاومة داخل المدينة، وعجز عن الوصول أو احتلال أي من معالمها السيادية الأساسية:
سوق بنت جبيل التجاري.
ملعب بنت جبيل (ميدان خطاب بيت العنكبوت).
المسجد الكبير داخل البلدة.
البركة والمجمع الديني (من ناحية يارون).
صمود هذه المعالم، وسط هذه الكثافة النارية والحشود، هو “معجزة عسكرية” تستحق أن تُدرس. وقد يطول الوقت ويصل العدو لأحدها تحت سياسة الأرض المحروقة، لكن العجز المستمر حتى الآن هو إنجاز أسطوري للمقاومة.
سادساً: التحام الأبطال (حرب الكر والفر)
وخلافاً لما تشيعه ماكينة العدو الإعلامية بأنه لم يدخل الأحياء، فإن الاشتباكات تجري من قلب المدينة (ضمن الجغرافيا المذكورة). شباب المقاومة يتصدون من الداخل، يوقعون الألم في صفوف العدو، ويؤخرون تحقيق أهدافه.
هذا التصدي أجبر العدو على الانكفاء مراراً من نقاط حاول التثبيت فيها (خاصة ناحية “صف الهوا”) تحت ضربات نيران المقاومة، ليعود ويحاول التثبيت مجدداً في عملية “كر وفر” تستنزف طاقاته.