انهيار الردع بعد “يوم الصواريخ”.. ترامب عاجز أمام الكابينت، وإيران ترسخ عقيدة “لا انتظار للتهديدات”  

مساء الاثنين 8 حزيران/يونيو 2026 (اليوم 101 للحرب)

البيضاء نت | تقرير خاص 

سقوط الخداع وصدمة الرد الإيراني، انتهت الساعات الـ 24 الماضية بتكريس تحول استراتيجي في مسار الحرب الممتدة لـ 101 يوم؛ حيث أثبتت إيران ومحورها أنهم يمتلكون زمام المبادرة والقدرة على كسر الردع الإسرائيلي الأمريكي المشترك. العملية الإسرائيلية في عمق إيران، والتي ثبت بالدليل القاطع أنها نُفذت بغطاء أمريكي وبتواطؤ إقليمي، لم تحقق أهدافها المرجوة في شل طهران، بل ارتدت بوابل من الصواريخ الباليستية التي شلت الكيان الصهيوني، ودفعت طهران للإعلان عن عقيدة عسكرية جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية. وفي ظل هذا التصعيد، ينكشف حجم الهوة السياسية العميقة بين ترامب الذي يبحث عن إنجاز تفاوضي، ونتنياهو الذي يحتاج الحرب للبقاء على قيد الحياة سياسياً.

أولاً: تفكيك السردية الأمريكية-الإسرائيلية.. التواطؤ المكشوف والخلاف المبطن

شهدت كواليس القرارات السياسية خلال هذه الجولة النيرانية تناقضات واضحة تعكس أزمة التحالف:
خديعة “القرار المستقل”: محاولة تصوير الهجوم الإسرائيلي على البتروكيماويات والرادارات الإيرانية كـ “تحرك أحادي” سقطت تماماً. المعطيات الميدانية (مثل تحليق طائرات الوقود الأمريكية ومشاركة مسيرات أمريكية في الهجوم) تُثبت أن واشنطن قدمت دعماً لوجستياً واستخباراتياً كاملاً. هدف السردية كان إعفاء واشنطن من الحرج وحماية دول الخليج من الرد الإيراني.
التباعد الترامبي-النتنياهوي: في مفارقة لافتة، كشفت تقارير أكسيوس أن إسرائيل أبلغت القيادة المركزية (سنتكوم) قبل قصف الضاحية، لكنها تعمدت عدم إبلاغ البيت الأبيض. ترامب، الذي يسعى لوقف الحرب، تفاجأ وأقر لاحقاً لـ أكسيوس بأن إسرائيل أبلغته متأخراً عن الضربات على إيران وأنه “تمكن بصعوبة من حصر نطاقها”. هذا يُثبت تقييم المسؤولين الأمريكيين بأن مصالح ترامب (إنهاء الحرب) ومصالح نتنياهو (استمرارها للبقاء السياسي) تتباعد كل يوم.
موقف السلطة اللبنانية الهش: في ظل هذه العواصف، ظهرت هشاشة الموقف الرسمي اللبناني؛ فرئيس الجمهورية جوزيف عون اكتفى بالقول لـ CNN إنه يتفاوض على “اتفاق عدم اعتداء” رافضاً لقاء نتنياهو قبل إنهاء الحرب. هذا الموقف (الذي سبقه إرساله وثيقة استسلامية لحزب الله) يعكس عجزاً عن مجاراة قوة المحور الذي فرض بقوته معادلات ردع حقيقية تتجاوز الورق.

ثانياً: العقيدة الإيرانية الجديدة والتصلب التفاوضي

ردت طهران على الغدر المزدوج بقرارات عسكرية وسياسية قاطعة:
عقيدة “لا انتظار للتهديد”: أعلن رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، صادق لاريجاني، رسمياً عن انتقال إيران إلى عقيدة دفاعية إقليمية جديدة. طهران لم تعد تنتظر ظهور التهديدات، بل تأخذ زمام المبادرة، مؤكدة أن أي هجوم على محور المقاومة سيُقابل برد يتجاوز الحدود الجغرافية ويعيد تشكيل المعادلات.
الفخ التفاوضي وشروط طهران: صرح رئيس لجنة الأمن القومي ورئيس البرلمان (قاليباف) بأن المفاوضات الحالية لا تتناول البرنامج النووي بل هي امتداد لساحة المعركة. إيران حذرت واشنطن من أنها لا تثق بوعود ترامب المتناقضة، مشددة عبر مسؤول للجزيرة على رفض التغييرات الأمريكية في مسودة التفاهم، وأن لا اتفاق يمر دون الإفراج الفوري عن الأموال المجمدة ورفع العقوبات وإنشاء آلية ردع حقيقية، وأن أي خرق لوقف إطلاق النار (كضرب الضاحية أو إيران) سيوقف التفاوض.
حزام أمني يمتد لباب المندب: ترجم فيلق القدس هذه العقيدة عبر إعلان قائده (إسماعيل قاآني) إنشاء “حزام أمني جديد للمقاومة من هرمز إلى باب المندب ومن الخليج إلى البحر الأحمر”، مُشيداً بتدخل اليمن الحاسم، ومؤكداً أن المقاتلين بلا حدود سيقضون على العدوان في حال استمراره. هذا الإعلان يعكس جاهزية المحور لإغلاق شرايين الطاقة العالمية بالكامل.

ثالثاً: الميدان اللبناني يُحطم آليات الاحتلال ويفشل التوغل

في حين يتخبط المستوى السياسي الإسرائيلي، كان الميدان اللبناني يلقن قوات الاحتلال دروساً قاسية تُثبت فشل أي رهان على إضعاف المقاومة:
مجزرة الجرافات والآليات: واصلت المقاومة (عبر البيانات 11 و13 و14 و15 و16) استهداف الآليات العسكرية بدقة؛ حيث دمرت جرافتين عسكريتين في يحمر الشقيف بصواريخ موجهة وقذائف مدفعية لمنع تجريف القرى، كما استهدفت تجمعات في منطقة الإشراق بعيناتا.
حصيلة 8 حزيران: وثقت المقاومة تدمير آلية اتصالات، 4 آليات لوجستية (ألفا) لنقل الذخائر، عربة هامر، مربض مدفعية، وجرافتين عسكريتين، مما يشير إلى استهداف مركز لخطوط إمداد جيش الاحتلال لمنع تثبيته على الأرض.
السيادة الجوية وإحصاء الميركافا: استكملت المقاومة (البيان 12) تصديها للطيران المعادي بإجبار مسيرة هرمز 450 زيك على التراجع من أجواء إقليم التفاح بصاروخ أرض-جو. ومع تدمير المزيد من الدبابات، قفز إجمالي ما اعترفت المقاومة بتدميره من دبابات الميركافا (كلياً وجزئياً) إلى 303 دبابات، وهو رقم كافٍ لتدمير فرق مدرعة كاملة.

رابعاً: اعترافات الهزيمة وفشل الردع الصهيوني

نتائج “يوم الصواريخ الإيرانية” تركت آثاراً مدمرة على الداخل الإسرائيلي، وهو ما عبرت عنه وسائل إعلامهم وساستهم بوضوح:
انهيار الردع: اعترفت القناة 12 العبرية صراحة بأن “إسرائيل تفقد أهم أوراقها الاستراتيجية، ولا تحرز تقدماً في مواجهة التهديدات الوجودية، بل تنجر لجولات تكتيكية خاسرة أعادت ربط الساحات”، مؤكدة أن المؤسسة الأمنية لم تتخيل هذا السيناريو.
الخوف من المستقبل: أقر يوسي يهوشع (القناة 15) والقناة 13 بأن إسرائيل أخطأت تماماً في تقدير الرد الإيراني، وأن إيران نجحت رسمياً في تقويض الردع الإسرائيلي. هذا الفشل تُرجم في تصريحات وزير الدفاع كاتس الذي يهدد بقصف الضاحية مجدداً، وهو تهديد أجوف بعد أن أثبتت طهران ومحورها أن قصف الضاحية يُقابل بقصف تل أبيب.
القلق الخليجي: الزيارة المفاجئة لوفد إماراتي إلى طهران لتأكيد عدم دعم أبوظبي لأي عمليات عسكرية مستقبلية ضد إيران، تعكس حالة الرعب الخليجية من أن تؤدي حماقات نتنياهو وترامب إلى تدمير البنية التحتية للطاقة في المنطقة بصواريخ إيرانية أو يمنية.

الخلاصة والتوقع الاستراتيجي (مرحلة اللاعودة):

لقد كسرت الأيام القليلة الماضية ظهر استراتيجية الخداع الأمريكية والغطرسة الإسرائيلية. إسرائيل تعيش أسوأ أيامها؛ فجيشها يُستنزف في جنوب لبنان أمام محلقات لا ترحم (303 ميركافا مستهدفة)، وردعها الإقليمي تم سحقه بالصواريخ الباليستية الإيرانية واليمنية، وتحالفها مع واشنطن يعاني من انعدام الثقة (تجسس وتخبط سياسي).
المسار المتوقع: لن تتوقف المعركة قريباً. محاولة ترامب لإنقاذ الموقف بفرض تسوية نووية منقوصة قد سقطت. إيران لن توقع على أي مذكرة لا تضمن رفع العقوبات واستعادة الأموال بضمانات فورية، ولن تقبل بأي اتفاق يستثني لبنان وانسحاب إسرائيل الكامل منه.
إذا حاول نتنياهو الهروب للأمام بتكثيف غاراته على لبنان أو محاولة جر واشنطن لحرب كبرى، فإنه سيواجه العقيدة الإيرانية الجديدة (المبادرة الهجومية) وحزام النار الممتد من هرمز إلى باب المندب، والذي سيشعل المنطقة ويغلقها أمام الملاحة والطاقة بالكامل، دافعاً الإدارة الأمريكية إما للتخلي عن نتنياهو أو الغرق في مستنقع سيقضي على مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط لعقود قادمة.