هندسة التمكين الإلهي: كيف فكّكت “الهجرة النبوية” معادلات الاستضعاف، ولماذا يبعث اليمن اليوم جيل “الأنصار” لنصرة غزة؟
البيضاء نت | تقرير خاص
لم تكن الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مجرد حدث تاريخي عابر، أو رحلة اضطرارية للهروب من بطش الجلادين في قريش؛ بل كانت “هندسة إلهية” دقيقة وتحولاً مفصلياً أعاد صياغة موازين القوى في شبه الجزيرة العربية والعالم. إنها الانتقال الاستراتيجي من بيئة مكية طاردة ومستضعِفة، إلى بيئة يثربية حاضنة مهدت للنقلات الكبرى والفتوحات التمكينية، محولةً المستضعفين من عصبة ملاحقة إلى بناة أمة قادت الحضارة الإنسانية وفككت عروش الطغيان.
معية الله في المنعطفات الحرجة: تهاوي الحسابات المادية
في تفاصيل الهجرة، تتجلى أعظم دروس ترسيخ الثقة المطلقة بالله سبحانه وتعالى وبأن كلمته هي العليا. حين أحاطت قوى الشرك ببيت النبي وبغار ثور، كانت الحسابات المادية الصرفة تؤكد سقوط الدعوة وانفراط عقدها، لكن التدخل والرعاية الإلهية الحاضرة في اللحظات الحرجة والمنعطفات الحساسة نسفت خطط الطغاة بكلمتين اختصرتا معادلة الوجود والتمكين: “لا تحزن إن الله معنا”. إنها الرسالة الخالدة بأن النصر والتمكين لا يخضعان لقوانين القوى المادية المهيمنة، بل بمدى الارتباط بمصدر القوة المطلقة في هذا الكون.
ليلة الفداء: الإمام علي ومدرسة التضحية الخالدة
وفي قلب هذه الهندسة الإلهية للتحول التاريخي، يبرز موقف الفداء الأجلّ للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). في ليلة المبيت، حين نام في فراش الرسول مستقبلاً سيوف القبائل بصدر رحب ونفس مطمئنة، صاغ الإمام علي أول وأعظم درس في التضحية والفداء لحماية القيادة النبوية وضمان عبور الدعوة إلى مرحلة الدولة. هذا الموقف لم يكن مجرد شجاعة عفوية، بل كان فاتحة لسلسلة من المواقف التاريخية الخالدة والميزات الجهادية والمعرفية التي ميزته عن بقية الصحابة، وجعلت منه الركيزة الأساسية التي استندت عليها الدولة الإسلامية الناشئة في مواجهة الأخطار والضربات الاستباقية.
الهوية الإيمانية لليمنيين: الأوس والخزرج.. النواة الأولى
حين نبحث عن “البيئة الحاضنة” التي احتضنت هذا التحول التاريخي، نجد أنفسنا أمام تأصيل عميق للامتداد التاريخي للهوية الإيمانية للشعب اليمني. إن مجتمع “الأنصار” في المدينة المنورة ما هم إلا قبائل الأوس والخزرج اليمنية؛ تلك الجذور الضاربة في عمق التاريخ التي مثلت الحاضنة الأولى والنواة الأساسية لنصرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). اليمنيون لم يدخلوا الإسلام كأتباع انقادوا لمنتصر، بل كشركاء في التأسيس وحملة لرايته، مسجلين بدمائهم وأموالهم شرف السبق في إعلاء كلمة الله وحماية المستضعفين.
مؤهلات “الاستبدال الإلهي”: كيف تُبنى الأمم القوية؟
إن اختيار الله للأوس والخزرج لحمل أعباء الرسالة لم يكن صدفة، بل جاء لتوفر المؤهلات النفسية والأخلاقية الراقية التي تميز بها مجتمع الأنصار. لقد جسدوا قيم العطاء اللامحدود، والبذل، والإيثار العجيب الذي خُلِّد في محكم التنزيل، والصبر في مواطن اللقاء، والوقاية من شُح النفس. هذه المنظومة الأخلاقية والجهادية هي التي جعلتهم جديرين بنيل شرف “الاستبدال الإلهي” والاصطفاء لحمل المشروع الإلهي وبناء أمة قوية تهابها القوى العظمى (الروم وفارس) وتتحطم على صخرتها مؤامرات المنافقين.
بعث “الأنصار” من جديد: من يثرب إلى غزة
اليوم، وفي غمرة الأحداث العاصفة التي تمر بها الأمة، يعيد التاريخ إحياء مدرسة الأنصار في أرض اليمن، متجاوزاً حدود الزمن ليربط الحاضر بالماضي. إن الشعب اليمني يجعل من ذكرى الهجرة النبوية منطلقاً حياً لتجديد الالتزام الديني والجهادي تجاه القضية الفلسطينية.
إن نصرة غزة العزة وحماية المقدسات الإسلامية في فلسطين اليوم، ليست مجرد موقف سياسي تكتيكي، بل هي الامتداد الجلي والمباشر والواجب الديني لنصرة الأنصار الأوائل لرسول الله وسيراً على نهجهم الخالد.