سرطان القيود: كيف تحولت عيادات السجون الإسرائيلية إلى غرف للإعدام البطيء؟

البيضاء نت  | تقرير خاص 

بينما يصارع العالم الأمراض في المستشفيات بحثاً عن الشفاء، يواجه مئات الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية معادلة معكوسة وقاسية؛ حيث يغدو المرض أداة عقاب، وتتحول الزنازين إلى بيئة حاضنة للأوبئة، وتصبح العيادات الطبية غرفاً لإدارة فصول “الإعدام البطيء”.

لم يعد “الإهمال الطبي” مجرد تقصير إداري أو نقص في الإمكانيات، بل تكشف الشهادات الحقوقية المتواترة ومتابعات مؤسسات الأسرى عن تحوله إلى سياسة ممنهجة ومنظومة متكاملة لإنهاك أجساد الأسرى وتصفيتهم جسدياً ونفسياً، خلف جدران عازلة وبتعتيم إعلامي مشدد.

تشريح الكارثة: لغة الأرقام الصادمة

خلف هذا الواقع المأساوي، تبرز الأرقام كشاهد أول على حجم الجريمة الصامتة المستمرة داخل السجون:

  • طفرة الاعتقال الكبرى: يقبع في سجون الاحتلال حالياً ما يزيد عن 9,350 أسيراً، وهو ارتفاع ضخم جداً تضاعفت معه أعداد المحتجزين في فترات قياسية، مما خلق حالة من الاكتظاظ الرهيب.

  • الاعتقال الإداري (بلا تهمة): يواجه أكثر من 3,385 معتقلاً خطراً مضاعفاً، حيث يُحتجزون دون محاكمة أو سقف زمني، ومن بينهم عشرات المرضى وكبار السن.

  • الأسرى المرضى: يواجه المئات داخل المعتقلات أمراضاً فتاكة تتنوع بين الأورام السرطانية، والفشل الكلوي، والجلطات، والشلل، دون حد أدنى من الرعاية المتخصصة.

  • قوافل الشهداء: تتصاعد قائمة شهداء الحركة الأسيرة نتيجة التعذيب وحرمان العلاج، وكان آخرهم المسن حمزة عدوان (67 عاماً) الذي ارتقى في زنزانته نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.

 

هندسة “الإعدام البطيء”: كيف تقتل العيادات الأسرى؟

تُجمع التقارير الصادرة عن هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير ومؤسسة الضمير، بناءً على زيارات المحامين لسجون مركزية مثل (عوفر، جلبوع، والدامون)، على أن عيادات السجون تعمل وفق منظومة قتل غير مباشر تعتمد على ثلاثة أركان:

 

أولاً: المماطلة الطبية كحكم بالإعدام

تستغرق الموافقة الأمنية والإدارية لنقل أسير يعاني من أعراض السرطان لإجراء صورة أشعة أو فحص مخبري “سنوات”. هذه المماطلة المتعمدة تعني ببساطة منح المرض الوقت الكافي لينتشر في جسد الأسير حتى يصل إلى مرحلة تفقد معها أحدث العلاجات الطبية قيمتها، ليتم الإفراج عنه لاحقاً في أيامه الأخيرة ليقضي خارج السجن.

 

ثانياً: مسكنات بدائية لأمراض قاتلة

داخل ما يُسمى “العيادة”، يشتكي الأسرى من أن العلاج الوحيد المتوفر لجميع الأمراض بشتى أنواعها وصعوبتها هو دواء “الأكامول” (المسكنات البسيطة). في المقابل، يُحرم مرضى الأورام والقلب من جرعاتهم العلاجية المتخصصة لفترات طويلة بذريعة الدواعي الأمنية أو العقوبات المفروضة على الأقسام.

 

ثالثاً: بيئة اعتقال مُصمّمة لإنتاج المرض

السياسة الطبية الإسرائيلية لا تكتفي بمنع العلاج، بل تصنع المرض عبر:

  • التجويع الممنهج: تقديم كميات طعام شحيحة جداً وبجودة رديئة تفتقر للمواد الغذائية الأساسية، ما يتسبب في انهيار مناعة الأسرى وأجسادهم.

  • سجون بلا نظافة ولا أغطية: سحب الملابس والأغطية ومواد التنظيف أدى إلى انتشار مرعب للأمراض الجلدية الحادة والمعدية، مثل مرض (الجرب/ السكايبوس) الذي تفشى بشكل كارثي في سجون مثل “جلبوع” وحوّل حياة الأسرى إلى جحيم يومي.

 

“مسلخ الرملة” ورحلة العذاب عبر “البوسطة”

يجلس مستشفى سجن الرملة على رأس هرم المعاناة؛ حيث يُطلق عليه الأسرى وصف “المسلخ”. يفتقر هذا المكان للحد الأدنى من الكوادر الطبية المتخصصة، ويُترَك فيه الأسرى المقعدون والمبتورة أطرافهم دون رعاية، لدرجة أن الأسرى الأصحاء هم من يقومون بمهام التمريض ومعاونة زملائهم على قضاء حاجاتهم الأساسية.

أما رحلة النقل إلى المستشفيات الخارجية عبر ما يُعرف بـ”البوسطة” (مركبة النقل الحديدية)، فهي بحد ذاتها أداة تعذيب تفوق آلام المرض؛ حيث يتم تكبيل أيدي وأرجل الأسرى المرضى بالقيود الحديدية طوال ساعات الرحلة الطويلة في مقاعد معدنية باردة، مما يدفع العديد منهم لرفض العلاج تفادياً لرحلة العذاب هذه.

 

الغطاء السياسي والخرق القانوني الدولي

تأتي هذه الممارسات مدعومة بضوء أخضر سياسي واضح؛ حيث تسعى أقطاب الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لتقنين تصفية الأسرى عبر تشريعات مثل “قانون إعدام الأسرى”، وتعمّد حجب أي رقابة دولية من خلال المنع القطعي للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الأممية من زيارة السجون، مع فرض سياسة “الإخفاء القسري” على معتقلي قطاع غزة.

ومن المنظور القانوني الدولي، تشكل هذه الأفعال خرقاً صارخاً للمواد الإنسانية في اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المعتقلين، وترقى سياسات التجويع والإهمال الطبي المتعمد المؤدي للموت إلى مستوى “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

 

خاتمة

بين “سرطان القيود” وإهمال السجان، يذوب لحم الأسرى المرضى وتتحلل أجسادهم في عتمة الزنازين. إنهم لا يموتون لأن المرض لا علاج له، بل لأن هناك قراراً ضمنياً بأن لا يبقوا على قيد الحياة. ومع استمرار عجز المجتمع الدولي عن فرض رقابته، تظل هذه السجون غرفاً مشرعة لإعدام بطيء يتربص بكل من يمرض خلف تلك القضبان.