هدنة الأمر الواقع واحتراق “بقيق”: مناورات ترامب الدبلوماسية، واليمن يشل شريان النفط السعودي

المشهد الاستراتيجي العام ليوم الثلاثاء 28 تموز 2026

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في اليوم الحادي والأربعين لسقوط مذكرة التفاهم واليوم الخمسين بعد المئة للحرب، دخلت المواجهة مرحلة “الهدنة التكتيكية المؤقتة” المدفوعة باستنزاف الخيارات العسكرية الأمريكية وتعقيدات الإمداد. وفيما يبرر ترامب تجميد غاراته بإعطاء فرصة لمفاوضات يصفها بـ”الودية للغاية”، تفرض صنعاء واقعاً استراتيجياً جديداً بدك منشأة “بقيق” ومصفاة “جازان”، شالةً بذلك القدرة التصديرية للسعودية بنسب غير مسبوقة. وعلى وقع تكتيم واشنطن على خسائرها البشرية وتراجع مخزونها النفطي الاستراتيجي لأدنى مستوى منذ 1983، يطير نتنياهو إلى واشنطن محملاً بملفات استخباراتية حول “جبل الفأس” لمحاولة إعادة إشعال الجبهات، في وقت تؤكد فيه طهران، بتوجيهات السيد مجتبى، أن المقاومة هي الخيار الأوحد أمام التوسع الأمريكي.

المحور الأول: الدبلوماسية تحت النار وعوائق القوة الأمريكية

تجميد الهجمات والمسار العماني: أعلن ترامب تجميد الهجمات الجوية على إيران استجابة لطلب الوسطاء، مشيراً إلى إجراء محادثات “ودية للغاية” لكنها لن تحظى بوقت طويل، مشترطاً لنجاحها إنهاء الحصار البحري. وتدور المفاوضات للعودة إلى وقف إطلاق نار مؤقت يوفر حلاً وسطاً يسمح لطهران بإدارة حركة السفن في هرمز مع تخفيف القيود الملاحية.

الموقف الإيراني الحازم: حذر مقر قيادة خاتم الأنبياء من أن تهديد واشنطن للسفن والناقلات الإيرانية في مياهها الإقليمية خلال الأيام الثلاثة الماضية يُعد مسعى لتنفيذ حصار غير قانوني وتوسيعاً للحرب، متوعداً بالتعامل معه بكل حزم. وأكد المرشد السيد مجتبى خامنئي أن الجهاد والمقاومة هما الخيار الوحيد ضد طغيان الإدارة الأمريكية، فيما شدد علاء الدين بروجردي على أن ترامب لا يفهم سوى لغة المقاومة، مشيداً بالأداء الاستثنائي للقوات المسلحة الإيرانية.

المأزق العسكري والسياسي الداخلي: رجحت مجلة إيكونوميست أن خيارات البيت الأبيض لضرب إيران باتت ضيقة ومكلفة، حيث إن استئناف استهداف المنشآت النووية يرفع كلفة الصراع دون ضمان إخضاع طهران. ويتطابق هذا الانكفاء مع استطلاع لرويترز/إبسوس أظهر أن واحداً فقط من كل 3 أمريكيين يؤيد الحرب (أدنى نسبة منذ 5 أشهر) لاعتبارهم أن ترامب فشل في شرح أهدافه.

التكتم على الخسائر البشرية: كشفت شبكة “إيه بي سي” نيوز عن تهرب البنتاغون وسنتكوم والبيت الأبيض من إعلان الحصيلة الحقيقية للقتلى، حيث حذف نظام (DCAS) أسماء 4 عسكريين أمريكيين قتلوا مؤخراً وعشرات الجرحى من سجلات الخسائر. وقد أوقفت سنتكوم تحديثاتها للصحفيين منذ مايو، رغم تأكيد البنتاغون لصحيفة نيويورك تايمز أن إجمالي الجنود المصابين منذ 28 فبراير بلغ 624 عسكرياً.

المحور الثاني: انهيار شريان التصدير السعودي وارتدادات الجبهات

الضربة القاصمة لـ “بقيق” و”جازان”: أظهرت صور الأقمار الصناعية (Sentinel-2) دماراً هائلاً وتصاعد أعمدة الدخان الأسود من منشأة “بقيق” لمعالجة النفط (التي تعالج 7% من الإمداد العالمي)، مما أجبر أرامكو على تعليق عملياتها وتفعيل الحرق الطارئ. كما أظهرت صور (Beijing-3A) استمرار الحرائق لليوم الثالث في خزان نفطي بمصفاة جازان (عند الإحداثيات 17.286648, 42.385668) عقب الهجوم اليمني.

عزلة النفط السعودي بالأرقام: وفق بيانات “ويندوورد”، بلغت خسائر السعودية 504 ملايين دولار (90% من عائداتها) جراء الحصار البحري. وقد تراجعت صادرات الرياض من 8 ملايين إلى 2.4 مليون برميل يومياً، مع انخفاض شحن ميناء ينبع بنسبة 40%. ونجحت معادلة “الحصار بالحصار” اليمنية في حرمان السعودية من الغطاء الجوي والاستخباري فوق اليمن.

سقوط الرواية السعودية: زعمت وزارة الدفاع السعودية اعتراض مسيرات استهدفت منشآت نفطية في الشرقية والرياض وادعت انطلاقها من العراق. سارعت رئاسة الوزراء العراقية لفتح تحقيق أمني نافية استخدام أراضيها، فيما توعدت المقاومة العراقية الرياض برد قاسٍ واصفة اتهاماتها بمحاولة التغطية على فشلها. وحسمت صنعاء الأمر بتبنيها المباشر لضرب خط ينبع رداً على الخروقات الجوية السعودية.

جبهة كردستان وتهديدات أوكرانيا: تعرضت مقرات لأحزاب كردية إيرانية معارضة (الحزب الديمقراطي في كويسنجق وحزب حرية كردستان) والقنصلية الأمريكية في أربيل وسوران لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة، جرى تدمير 4 منها. على صعيد موازٍ، توعد البرلمان الإيراني الرئيس الأوكراني زيلينسكي برد عقابي إثر استهداف سفينة إيرانية، ملوحاً بالاعتراف بضم روسيا لـ 5 مقاطعات أوكرانية (منها القرم ودونيتسك).

المحور الثالث: التموضع اللوجستي (OSINT) والمناورات الإسرائيلية

تقييد الغارات وأزمة الذخائر: أوصى قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر بوقف الضربات حول مضيق هرمز لكونها استنفدت فاعليتها، في حين أشار الجنرال دان كين لانخفاض مخزونات الصواريخ الاعتراضية، مما أسس لحالة “هدوء مقابل هدوء” غير رسمية. وأكدت التحليلات الجوية انخفاض مؤشرات العمليات الفورية لعدم وجود نوافذ رماية ليلية أو تمديد لقيود الطيران.

الجسر الجوي والبحري المفتوح: تم رصد طائرة البحث والإنقاذ القتالي (HC-130J KING 76) متجهة من نيويورك إلى الشرق الأوسط. كما سجلت أربيل حصيلة 19 رحلة (MOOSE) تابعة للقوات الجوية الأمريكية و11 رحلة (ASCOT) بريطانية. وانطلقت طائرتا تزويد بالوقود (BLUE 02 و BLUE 03) من بريطانيا لمرافقة مقاتلتي F-16 من ألمانيا للعودة إلى أمريكا للصيانة. بحرياً، دخلت سفينة (USS Miguel Keith) نطاق سنتكوم، وتوجهت (USS Tripoli) إلى اليابان، و(USS George Washington) إلى بحر الصين الجنوبي بالتزامن مع ختام مناورات (RIMPAC).

تآكل الاحتياطي الاقتصادي: انخفضت مخزونات النفط في الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي بمقدار 3.7 مليون برميل لتصل إلى 307.7 مليون (أدنى مستوى منذ مارس 1983) بعد سحب 172 مليون برميل في محاولة فاشلة لتهدئة الأسعار، حيث أغلقت العقود الآجلة لخام برنت على انخفاض قدره 8.42 دولاراً ليستقر عند 88.36 دولاراً.

تصعيد نتنياهو لعرقلة الهدنة: غادر نتنياهو إلى واشنطن على متن طائرة “جناح صهيون” للقاء ترامب وتقديم ملفات استخباراتية تتهم طهران بتوسيع منشأة “جبل الفأس” النووية. وأكد نتنياهو لشبكة فوكس نيوز أن الحرب لن تنتهي إلا بإسقاط النظام أو إنهاء برنامجه النووي، رافضاً الانسحاب من غزة وسوريا ولبنان. وترافق ذلك مع غارات وقصف مدفعي إسرائيلي على تلة علي الطاهر والنبطية الفوقا، رغم التوقعات الإسرائيلية بأن زيارته لترامب ستكون “فاترة” لاتهامه بجر واشنطن نحو الحرب.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية

تجد الإدارة الأمريكية نفسها مكبلة بين أزمة الذخائر الاعتراضية وفداحة الخسائر الاقتصادية وتراجع شعبيتها، وهو ما يفسر جنوحها التكتيكي لتجميد العمليات وإبقاء قنوات مسقط مفتوحة. وفي المقابل، نجحت ضربات اليمن الدقيقة لمنشآت “بقيق” و”جازان” في كشف ظهر الاقتصاد السعودي بالكامل، مجردة الرياض من أي قدرة تفاوضية أو نارية.

من الممكن جداً أن تحدد مخرجات لقاء ترامب-نتنياهو مسار الأيام القادمة؛ فإما أن يُلجم ترامب الطموح الإسرائيلي لتوريطه مجدداً ويكتفي بتسوية تدير ممر هرمز تحت السيادة الإيرانية المباشرة، أو أن ينجح الضغط الإسرائيلي في تمرير خطة لاستهداف المنشآت النووية، وهو خيار سيدفع طهران وحلفاءها للانتقال الفوري من تدمير القدرة التصديرية للسعودية إلى تسوية منشآت الطاقة الإقليمية والقواعد العسكرية بالأرض.