غزة في ميزان البقاء: قراءة ميدانية في عتمة الأزمات الصحية والمعيشية والتعليمية

البيضاء نت | تقرير خاص 

لا يزال قطاع غزة يرزح تحت وطأة تداعيات كارثية وممتدة طالت مفاصل الحياة كافة، متحولاً إلى ساحة اختبار قاسية للمبادئ الإنسانية الأساسية. وعلى الرغم من مرور فترات من الهدنة، فإن البنية التحتية والنسيج الاجتماعي يقفان على حافة انهيار شامل، في ظل تقارير أممية وميدانية تكشف عن أزمات هيكلية تهدد مستقبل مئات الآلاف من المدنيين، لا سيما الأطفال والنساء.

أولاً: القطاع الصحي.. منظومة متهالكة وشح قاتل في الأدوية

تعاني المنظومة الصحية في غزة من حالة شلل تام وعجز حاد في الاستجابة للحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية الطارئة:

  • دمار البنية التحتية الطبية: تشير التقارير الرسمية والدولية إلى خروج النسبة الأكبر من المستشفيات عن الخدمة أو عملها بطاقات تشغيلية دنيا ومحدودة للغاية.

  • أزمة الأدوية والمستهلكات: بلغ رصيد أكثر من نصف الأدوية الأساسية (نحو 51%) مستوى “صفر” في المستودعات والمستشفيات، مما يضع أصحاب الأمراض المزمنة، والسرطان، والفشل الكلوي في مواجهة حتمية مع الموت.

  • تعطل الإجلاء الطبي: تعجز آلاف الإصابات الحرجة عن مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج بسبب القيود المستمرة على المعابر، في ظل غياب شبه تام لخدمات إعادة التأهيل المتقدمة.

  • الأوبئة والأمراض السارية: أسهم الاكتظاظ الشديد في مخيمات النازحين وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات في انتشار واسع للأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي والمعوي.

ثانياً: الأوضاع المعيشية.. فقر مدقع ومجتمعات محاصرة في الخيام

تجاوزت الأوضاع المعيشية الخطوط الحمراء، وبات تأمين مقومات البقاء معركة يومية مضنية لشريحة واسعة من السكان:

المؤشر المعيشي

الواقع الحالي والتقديرات الميدانية

النزوح والمأوى

مئات الآلاف من المهجرين يعيشون في خيام مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، أو في مدارس مكتظة وتحت الأنقاض.

الأمن الغذائي

النسبة الأكبر من السكان يعانون من مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل تدمير معظم الأراضي الزراعية وشلل الأسواق.

البطالة والدخل

قفزت معدلات البطالة إلى نحو 80%، وتهاوت تماماً القدرة الشرائية للأسر مع غياب مصادر الدخل الثابت.

المياه والصرف الصحي

يعاني النصف تقريبا من غياب الوصول إلى المرافق الصحية الآمنة ومياه الشرب النظيفة، مما فاقم الأزمات البيئية.

 

ثالثاً: القطاع التعليمي.. جيل كامل في مهب الريح

تعرض قطاع التعليم في غزة لضربات موجعة هددت حق الأطفال الأساسي في التعلم والنمو النفسي السليم:

  • تعطيل المؤسسات التعليمية: تسببت الأضرار الواسعة التي لحقت بالمباني المدرسية والجامعية، فضلاً عن تحويل المئات منها إلى مراكز إيواء، في حرمان الطلاب من مقاعد الدراسة لسنوات متتالية.

  • مساحات التعلم المؤقتة: تقود منظمات أممية ودولية (مثل اليونيسف) جهوداً لإنشاء خيام تعليمية وتوزيع الحد الأدنى من القرطاسية، إلا أن هذه البدائل تظل عاجزة عن استيعاب الأعداد الهائلة وعرضة للتلف المستمر.

  • الصدمات النفسية: لا يقتصر الأثر على غياب المنهج الدراسي فحسب، بل يمتد إلى الأعباء النفسية الهائلة الناتجة عن فقدان الأحباء والبيئة الآمنة، مما يجعل العملية التربوية بحاجة ماسة وشارلة لبرامج الدعم النفسي والاجتماعي.

الخلاصة:

يقف قطاع غزة اليوم أمام مفترق طرق إنساني خطير، وإن أي محاولة حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تتطلب:

  1. فتح المعابر بشكل عاجل ودائم لإدخال المستلزمات الطبية المتقدمة، الأدوية المنقذة للحياة، والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه.

  2. تسهيل عمليات الإجلاء الطبي للمرضى والجرحى ذوي الحالات المستعصية دون قيود تعسفية.

  3. دعم التدخلات الدولية العاجلة لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة للمياه والصرف الصحي والبدء بمشاريع التعافي المبكر للتعليم والأسواق.