أكذوبة الحماية وقيود السيادة: الجيوش العربية بين عجز الوصاية.. ومحور الردع يكسر القواعد
البيضاء نت | تقرير خاص
في خضم المتغيرات الإقليمية العاصفة التي تعيد تشكيل وجه المنطقة، تطفو على السطح تساؤلات وجودية ومصيرية حول واقع الجيوش العربية والحكومات التي تقودها، في ظل منظومة دولية لا تعترف إلا بلغة القوة ولا تقيم وزناً لـ “القانون الدولي” إلا حين يخدم مصالح القوى المهيمنة، وبينما يُفترض بالجيوش الوطنية أن تكون حائط الصد الأخير والدرع الحصين لسيادة أوطانها، نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية مؤلمة؛ حيث تحولت مؤسسات عسكرية عريقة إلى هياكل مقيدة بقيود استراتيجية صارمة، تُملى من واشنطن وتُنَفذ لضمان التفوق المطلق للكيان الإسرائيلي.
لم يعد خافياً على الرأي العام العربي أن هناك اصطفافاً رسمياً تقوده دولٌ انخرطت في مسارات “التطبيع” العلني، متحولةً إلى أدوات وظيفية في المشروع الأمريكي-الإسرائيلي بالمنطقة، هذه الحكومات لم تكتفِ بفتح أبوابها للتعاون الأمني، بل جعلت من أراضيها منصات لخدمة أجندات الاحتلال، مستبدلةً عقيدة “العداء التاريخي” بـ “شراكات استراتيجية” مشبوهة، ومغلفةً تخيانتها للثوابت الوطنية بشعارات “السلام”، إن دولاً مثل الإمارات والبحرين، اللتين قادتا ركب ما يُسمى “اتفاقيات إبراهيم”، بالإضافة إلى مسارات التنسيق المتجذرة، باتت تلعب دور “الوكيل” الذي يضمن أمن الاحتلال ويحمي مصالحه، مما حوّل هذه الأنظمة من أطراف ذات سيادة إلى كيانات تساهم في تثبيت أركان المشروع الصهيوني على حساب الحقوق العربية والمقدسات.
وفي هذا السياق، تبرز إشكاليات عميقة تتعلق بحق التسلح، وامتلاك أدوات الردع، والاعتماد المفرط على “مظلة حماية” أجنبية أثبتت الأزمات المتعاقبة أنها مجرد وهم، فهي لا تُفعل إلا لحماية المصالح الأمريكية، بينما تظل دول المنطقة تحت رحمة التهديدات التي تذكيها واشنطن لضمان استمرار قواعدها العسكرية التي تملأ الخارطة العربية.
أولاً: العقيدة العسكرية العربية.. ممنوعات مقدسة وميزان قوى مختل
تتحدث الأدبيات الاستراتيجية عن ضرورة وجود جيوش عربية قوية وقادرة على حماية حدود شعوبها. لكن الواقع العملي يفرض قيوداً صارمة وممنوعات مفروضة على نوعية التسليح:
-
حظر التسلح المتوازن: لا تمنح القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، الحق للجيوش العربية في امتلاك سلاح رادع أو موازٍ للترسانة الإسرائيلية، حتى وإن تم تمويل صفقاته بالكامل من الأموال العربية.
-
تحريم التفوق الجوي: مُمنوع على أي جيش عربي امتلاك منظومات دفاعية متطورة قادرة على كسر التفوق الجوي الإسرائيلي في المنطقة أو إحداث توازن استراتيجي يخل بالمعادلة القائمة.
-
التبعية الاستراتيجية: تهدف هذه القيود إلى إبقاء المنطقة تحت الوصاية والرحمة الأمريكية، وضمان عدم وصول أي دولة عربية إلى مرحلة القدرة على المواجهة الذاتية.
ثانياً: قواعد الحماية الأمريكية.. أمن مشروط أم أداة هيمنة؟
في محاولة لتبرير عجزها البنيوي، لجأت العديد على مدار العقود الماضية إلى توقيع اتفاقيات دفاع مشترك واستضافة القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، تحت شعار “الحماية الأمنية ودفع الأخطار”.
الحقيقة المرة: تحولت هذه القواعد في كثير من الأحيان من أدوات لحماية الأنظمة إلى أدوات للسيطرة السياسية والاقتصادية، وإبقاء القرار السيادي رهيناً للإرادة في واشنطن.
ثالثاً: اختبار الواقع.. سقوط أسطورة “المظلة الأمريكية”
طرحت الأحداث الأخيرة والتطورات المتلاحقة في المنطقة اختبارات حقيقية لجدوى هذه التحالفات والقواعد العسكرية، مسقطةً الكثير من الوعود الأمنية الوهمية:
-
فشل الردع في وجه الأزمات: عندما تعرضت دول إقليمية لردود عسكرية مباشرة، تبين بوضوح أن القواعد الأمريكية المنتشرة لم تكن درعاً حقيقياً يحمي تلك الدول، بل إنها في أحيان كثيرة تحولت إلى أهداف أو نقاط جذب للصراعات.
-
السقوط في اختبار الاعتداءات المباشرة: على سبيل المثال، تضم دولة قطر قاعدة العديد الجوية، وهي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة. ومع ذلك، عندما تتعرض المنطقة لاعتداءات أو عندما تطالها التهديدات، يبرز السؤال المشروع: هل نجحت قاعدة العديد في توفير الحماية المطلوبة؟ أثبت الواقع أن هذه القواعد وُجدت لخدمة المصالح الأمريكية الاستراتيجية في المقام الأول، وليس لحماية الدول المستضيفة.
رابعاً: أكذوبة القانون الدولي والاتفاقيات
يبقى المشهد القانوني الدولي مجرد غطاء شكلي يتم تفعيله أو تعطيله بناءً على مصالح القوى الكبرى. فالعهود والمواثيق الدولية التي تنص على سيادة الدول وحقها في الدفاع عن نفسها تتلاشى أمام شريعة الغاب السياسية، حيث تصبح الاتفاقيات الثنائية والدولية مجرد حبر على ورق أمام ميزان القوة العسكرية المطلقة لإسرائيل وحلفائها الغربيين.
خامساً: محور الردع البديل.. كيف أعادت القدرات اليمنية والإيرانية صياغة معادلة المواجهة؟
في مقابل حالة العجز الرسمي والقيود المفروضة على الجيوش النظامية، برزت في السنوات الأخيرة قوى إقليمية ومحاور مقاومة استطاعت كسر قواعد اللعبة المفروضة، وأثبتت قدرتها الفعلية على ردع العدو الإسرائيلي والأمريكي، وإسقاط هيبة ترساناتهما الدفاعية والهجومية:
-
القدرات اليمنية (القوات المسلحة اليمنية): كسر الحصار وفرض المعادلات البحرية
على الرغم من سنوات الحصار والعدوان التي تعرض لها اليمن، استطاعت القوات المسلحة اليمنية أن تحول التحدي إلى فرصة استراتيجية كبرى، لتفرض نفسها رقماً صعباً في معادلة الردع الإقليمي:
-
فرض الحصار البحري: أثبت اليمن قدرته الفريدة على إغلاق الممرات المائية الحيوية (باب المندب والبحر الأحمر وبحر العرب وصولاً إلى المحيط الهندي) في وجه الملاحة المرتبطة بالكيان الإسرائيلي أو المتجهة إلى موانئه، مسقطاً بذلك أسطورة السيطرة المطلقة للبوارج الأمريكية والغربية.
-
العمق الاستراتيجي والمسيرات: نجحت القوة الصاروخية وسلاح الطيران المسير اليمني في الوصول إلى أهداف حساسة وحيوية داخل العمق الإسرائيلي، مما أكد أن الجغرافيا اليمنية تحولت إلى جبهة إسناد حقيقية وفاعلة تعجز منظومات الاعتراض الغربية والإسرائيلية (مثل القبة الحديدية وحيتس) عن تحييدها بالكامل.
-
القدرات الإيرانية: إثبات الردع المباشر وسقوط المظلة الأمريكية
مثلت الردود العسكرية الإيرانية المباشرة تحولاً تاريخياً جذرياً في قواعد الاشتباك بالمنطقة:
-
اختراق المنظومات الدفاعية: أظهرت الصواريخ الباليستية والفرط صوتية والمسيرات الإيرانية قدرة عالية على اختراق أحدث منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي والغربي، وضرب قواعد عسكرية ومطارات استراتيجية بدقة عالية.
-
تعرية القواعد الأمريكية: أثبتت الضربات الإيرانية، وما واكبها من عجز القواعد الأمريكية في المنطقة عن توفير الحماية المطلوبة، أن “المظلة الأمريكية” لم تعد تخيف أحرار الأمة، وأن الردع المباشر بات ممكناً لمن يمتلك الإرادة السياسية والعسكرية المستقلة.