سقوط العروش على دماء الشعوب: تداخل سياسات المحاور ومسار الردة في الإقليم

البيضاء نت | تقرير خاص

سقطت أقنعة الزيف وتهاوت مساحيق التجميل السياسية، لتنكشف عورات مرحلة داكنة من تاريخ الأمة، تداخلت فيها صراعات النفوذ الإقليمي مع السقوط المتبادل في فخ التطبيع والردة السياسية. لم يعد المشهد مجرد تباينات دبلوماسية عادية، بل تحول إلى منظومة متكاملة من الأزمات التي تدفع ثمنها الشعوب العربية المكلومة من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها، في ظل تحالف عضوي متنامٍ بين أجندات المحاور الإقليمية والمشروع الاستعماري الصهيوني.

من “السرب الواحد” إلى تباين الأجندات الإقليمية

 شهدت السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي خلال العقد الأخير تحولاً جذرياً من الإجماع الدبلوماسي إلى استقلالية القرار والبراجماتية الحادة. وفي ظل تقلبات النظام الدولي، أفرز هذا التحول بيئة إقليمية مشحونة بصراعات النفوذ، تحولت فيها عواصم المنطقة من صانعة للاستقرار إلى أطراف رئيسية في هندسة محاور متصارعة، متجلياً ذلك في عدة مسارات:

  • التنافس بالوكالة: تحولت مسارح الأزمات في اليمن والسودان ومناطق القرن الإفريقي إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية وتثبيت أوراق النفوذ على حساب مقومات الدول.

  • البراجماتية المتحركة: إعادة تموضع سريعة عبر تحالفات تكتيكية مرنة تتشكل وتنحل بحسب المصلحة الآنية دون مظلة استراتيجية طويلة الأمد.

  • عسكرة الخيارات: الاعتماد على الأدوات العسكرية والاقتصادية الضاغطة لترجيح كفة حلفاء محليين، مما زاد من تعقيد المشهد الإقليمي وتوسيع رقعة الدمار.

التحالف العضوي مع المحتل: من السر إلى العلانية

 تخلت الأنظمة والنخب المطبعة عن أي غطاء أخلاقي أو قومي، ودشنت مرحلة من التحالف الاستراتيجي المباشر مع الكيان الغاصب. وتتجسد ملامح هذا السقوط في مستويات غير مسبوقة من التبعية والتآمر:

  • الأمن المشترك ضد الشعوب: تحويل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في دول التطبيع إلى خط دفاع متقدم عن أمن الاحتلال، وملاحقة واختطاف وتجريم كل أشكال التضامن الشعبي مع قضايا التحرر.

  • الاقتصاد كأداة للهيمنة: دمج مقدرات الأمة ومصادر طاقتها وموانئها في شبكة مصالح رأسمالية صهيونية وغربية، تجعل قرار السيادة الوطنية رهيناً برضى الدوائر الاستعمارية.

  • شيطنة المقاومة وتزييف الوعي: تخصيص الفضائيات والمنصات الثقافية لقلب الحقائق، وتشويه صورة حركات التحرر والمقاومة الوطنية، ووصم النضال المشروع ضد الاحتلال بالإرهاب والتطرف تماشياً مع الرواية الصهيونية الخالصة.

فاتورة الرماد: أوجاع الشعوب في مسارح الصراع

 تتوارى خلف البيانات الرسمية والكواليس الدبلوماسية مأساة إنسانية عميقة تعانيها المجتمعات المتضررة من سياسة الاستقطاب والتطبيع. ففي اليمن، أسفرت سنوات الحرب وتنازع السيطرة عن تدمير مقومات الدولة وإغراق الملايين في أزمات معيشية غير مسبوقة. وفي السودان ومناطق أخرى، ساهم تدفق الدعم الموجه وانخراط قوى الردة في هندسة المشهد السياسي الداخلي في إطالة أمد الاقتتال وتعميق الانقسامات المجتمعية. لم تكتفِ هذه الأنظمة بتأجيج الصراعات، بل تحولت إلى أدوات وظيفية لتفتيت جغرافيا الأمة وتفريغها من محتواها المقاوم، لتتحول مقدرات الشعوب إلى أرقام هامشية في معادلات الأمن القومي والصراع على مناطق النفوذ.

محكمة الضمير الشعبي:

السقوط الأبدي للمرتدين ومفترق الطرق؛ تعيش العواصم المنخرطة في سياسات المحاور والتطبيع وجهاً لوجه أمام استحقاقات مرحلة ما بعد النفط وتحولات الاقتصاد العالمي، والتي تفرض بيئة أمنية لا تحتمل استمرار الصفرية السياسية، إلى جانب حالة من الهلع الوجودي أمام الرفض الشعبي العارم والساحق لسياسات الخيانة. إن استنزاف الموارد في حروب بالوكالة وتحالفات الذل لا يهدد استقرار الإقليم فحسب، بل يضغط على مسارات التنمية الداخلية لدول الخليج ذاتها. ورغم الهيمنة الأمنية وقمع الحريات وتجريم التعاطف مع قضايا الأمة، تدرك هذه الفئات أن شرعيتها مفقودة وأن تاريخها سيُكتب بلعنات الجماهير التي لن تستكين، ليظل الوجدان العربي حصناً منيعاً لا يلين أمام رياح التطبيع والردة ومشاريع الهيمنة الاستعمارية.