من مدرسة موسى إلى معركة اليوم .. اختبار الموقف

البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي

في درسٍ قرآنيٍّ عميق، أعاد السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله قراءة مشهد المواجهة بين نبي الله موسى عليه السلام وفرعون، لا بوصفه حدثًا تاريخيًا منقطعًا، بل باعتباره نموذجًا حيًا يتكرر في كل زمن، وتُعاد فيه صياغة الاصطفافات بين خطّ الحق وخطّ الطغيان، الدرس لم يكن مجرد تأمل في قصةٍ قرآنية، بل بيانًا لمعيارٍ حاسم، أن تكون في موقف الحق من أعظم ما تتقرب به إلى الله، وأن لا تكون ظهيرا للمجرمين مهما كانت الإغراءات أو الضغوط، وفي الوقت الذي تتعرض فيه إيران لعدوانٍ غاشم تقوده الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني، بدا الدرس وكأنه يخاطب الواقع مباشرة، كاشفًا حقيقة المواقف، وموضحًا أن المعركة الحقيقية هي معركة انحيازٍ أخلاقيٍّ قبل أن تكون مواجهة عسكرية.

 

موسى عليه السلام .. حين يكون الموقف عبادة

حين وقف موسى عليه السلام في وجه فرعون، لم يكن يملك عدةً مادية تقارن بطغيان السلطة، لكنه كان يملك ما هو أعظم: وضوح البصيرة، والثقة بوعد الله، والاعتزاز بالموقف مع الحق.
وفي هذا السياق، أكد السيد القائد أن الالتزام بالموقف الحق في إطار قضية عادلة هو تعبير صادق عن التمسك بهدى الله، وعن الاعتزاز بالانتماء إلى خط الأنبياء، فالوقوف مع الحق يريح الضمير، ويزكي النفس، ويمنح الإنسان طمأنينة لا تمنحها كل المكاسب المادية.

ربِّ بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين .. مفهوم النعمة في الميزان القرآني

من أعظم ما تضمنه الدرس، التوقف عند دعاء موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، هنا تتجلى قمة الوعي الإيماني؛ إذ اعتبر موسى أن النعمة العظمى هي أن لا يكون معينًا للظالمين، في المقابل، أشار الدرس إلى أن بعض الناس لا يشعر بنعمة الوقوف مع الحق، ويرى النعمة في العائد المادي أو المكاسب السياسية، ولو كان ثمنها الاصطفاف مع الباطل، غير أن القرآن يعيد تعريف النعمة أن يثبتك الله في صف الحق، وأن يصرفك عن أن تكون أداةً في يد المجرمين، و أن تبقى ضميرك حيًا مهما اشتدت الضغوط.

الإعانة على الظلم .. شراكة في الجريمة

لم يحصر الدرس مفهوم “الظهير للمجرمين” في العمل العسكري فقط، بل وسّعه ليشمل كل صور الدعم والمساندة، الدعم السياسي الذي يمنح الشرعية للعدوان، الدعم الإعلامي الذي يزور الحقائق أو يبرر الجرائم، والدعم المالي الذي يموّل الظلم، وحتى الصمت الذي يساوي بين الضحية والجلاد، فكل من يجند نفسه بأي صورة في مواجهة الحق، فهو شريك في الإثم، وإن لم يحمل سلاحًا.

من قصة موسى إلى واقع الأمة .. اختبار المواقف

حين نُسقط هذه الدلالات على واقع اليوم، نجد أن المعيار القرآني يكشف حجم الخلل في بعض المواقف الرسمية العربية تجاه ما تتعرض له إيران من عدوان، الهزال في الموقف، أو تجاهل أصل العدوان، أو مساواة المعتدى عليه بالمعتدي، لا ينسجم مع المعيار الذي رسمه القرآن، إن الحياد في لحظة الظلم الصريح ليس فضيلة، بل هو في ميزان القيم اقتراب من دائرة الإعانة، ولو بصورة غير مباشرة، لأن الصمت يمنح المعتدي مساحة، ويُضعف جبهة الرفض، ويكرّس اختلال الموازين، وهنا يتجدد سؤال موسى عليه السلام في واقعنا، هل نحسب النعمة في رضا القوى الكبرى؟أم في الثبات على المبدأ ولو خسرنا مكاسب آنية؟

بين مدرسة موسى ومدرسة فرعون.. التاريخ يعيد نفسه بصور مختلفة

هناك دائمًا معسكران، معسكر يعتز بالحق ويتحمل تبعاته، ومعسكر يختبئ خلف الحسابات الضيقة، أو ينخرط في منظومة الطغيان، الهزيمة الأخطر ليست أن تُستهدف أمة بعدوان، بل أن تفقد بوصلتها الأخلاقية، وأن ترى النعمة في السلامة المؤقتة، لا في شرف الموقف.

ختاما .. الموقف قبل المكسب
الدرس الذي قدمه السيد القائد يرسخ معادلة واضحة، أن الموقف مع الحق عبادة، والثبات عليه نعمة، والتبرؤ من نصرة المجرمين فريضة، وفي زمن تتكالب فيه قوى الطغيان، وتتباين فيه المواقف، يبقى الامتحان الحقيقي هو في موقع الانحياز إلى الحق ، فكما أعلن موسى عليه السلام براءته من أن يكون ظهيرا للمجرمين، فإن الأمة اليوم مدعوة إلى أن تعي أن شرف الموقف أعظم من كل الحسابات، وأن الثبات مع الحق مهما كانت الكلفة هو الطريق الوحيد للنجاة والعزة والكرامة.