شروط طهران تنسف غرور نتنياهو  

المشهد الجيوسياسي العام: التخبط الإسرائيلي في مواجهة اليقين الإيراني

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية لإرساء اتفاق إسلام آباد وتأمين انسحاب تدريجي من مستنقع الشرق الأوسط، يعيش الكيان الصهيوني أسوأ لحظات التخبط السياسي والعسكري.
لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن سياسة حافة الهاوية والصمود الداخلي قادرة على إعادة إنتاج حالة من عدم اليقين الاستراتيجي لدى واشنطن، مكرسة مقولة أن العالم أعقد من أن تهندسه فوائض القوة الأمريكية، وأن إغراء الإمبراطوريات بات فخاً تاريخياً تداعت فيه الهيبة الغربية.

أولاً: نتنياهو يمارس الانفصام السياسي وسط انهيار الإجماع الداخلي

في خطاب يعكس حالة من الانفصام عن الواقع العملياتي، حاول رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بيع “انتصارات وهمية” للمستوطنين، مدعياً نجاحه في كسر محور الإرهاب وإجهاض اجتياح قوة الرضوان للجليل. إلا أن هذا الخطاب الذي أطلقه لترميم مستقبله الانتخابي، اصطدم بجدار من الحقائق المرة والانتقادات الداخلية اللاذعة:
* رد المعارضة: وصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الحرب بأنها بدأت بمذبحة وتنتهي بفشل تاريخي أمام إيران.
* التوبيخ الأمريكي الموثق: كشفت القناتان 13 و14 العبريتان عن صدور تعليمات أمريكية صارمة لقوات جيش الاحتلال في جنوب لبنان تمنع أي إطلاق نار استباقي أو مبادر. كما تم الكشف عن محادثة بالغة التوتر طلب فيها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس من نتنياهو صراحة “تقليص الوجود الإسرائيلي والانسحاب التدريجي”، مما يكذب ادعاءات نتنياهو بقدرته على فرض شروطه على إدارة ترامب التي خرجت “مثخنة بالجراح والمهانة” وفقاً لصحيفة هآرتس.
* التهرب من المحاسبة: في مفارقة ساخرة تعكس أزمته الشخصية، طلب نتنياهو تقصير مدة شهادته في محاكمته بالفساد لحضور اجتماع الحكومة، وهو ما رفضته المحكمة الإسرائيلية.

ثانياً: أسرار الساعات الأخيرة.. الضاحية كادت أن تشعل حرباً إقليمية، والتعديل رقم “13”

كشفت مصادر مطلعة داخل إيران عن تفاصيل دراماتيكية رافقت الساعات التي سبقت الإعلان عن الاتفاق:
1. ساعة الصفر المؤجلة: عقب الهجوم الإسرائيلي المباغت على الضاحية الجنوبية، اتجه القرار الإيراني فوراً لتنفيذ رد صاروخي واسع، وبلغت الاستعدادات العسكرية مراحلها النهائية.
2. سقوط المغريات الاقتصادية: تدخلت واشنطن بعروض اقتصادية ضخمة لمنع التصعيد، لكن طهران رفضتها جملة وتفصيلاً، معتبرة إياها غير كافية ولا تمس جوهر السيادة.
3. انتزاع بند “السيادة والعقاب”: اشترطت إيران تعديل بنود التفاهم، فارضة إضافة بند جديد يؤكد على وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها وسلامتها الإقليمية. الأهم من ذلك كان تعديل المادة “13”، التي أدرجت بنداً عقابياً يمنح إيران الحق المطلق في معاقبة الكيان الصهيوني أو الانسحاب من المسار التفاوضي في حال خرق إسرائيل للاتفاق في لبنان، مما يكرس رسمياً مبدأ “ترابط الساحات” ويمنح طهران الغطاء القانوني والسياسي لحماية لبنان بالنار.
4. حق الرد محفوظ: رغم التفاهم، أكدت طهران أن حق الرد على استهداف الضاحية لا يزال قائماً ومستقلاً عن بنود الاتفاق، وهو ما يفسر تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي بأن البرنامج التفاوضي مبني على “انعدام الثقة”.

ثالثاً: جبهة لبنان.. المقاومة تسحق التوغلات في الوقت الضائع وموقف بري الحاسم

بالتوازي مع الدبلوماسية، لم توقف المقاومة الإسلامية عملياتها الميدانية لفرض وقائع رادعة ضد أي غدر إسرائيلي في اللحظات الأخيرة:
* كمائن كفرتبنيت وبرعشيت: رصدت المقاومة الإسلامية (بيان رقم 1) تقدماً لقوة معادية مؤلفة من جرافة ودبابتي ميركافا من حمى أرنون باتجاه أطراف كفرتبنيت ومحاولة للتقدم نحو مرتفعات “علي الطاهر”، فتصدت لها بالصواريخ الموجهة ومحلقات أبابيل الانقضاضية مجبرة إياها على التراجع. كما استهدفت صليات صاروخية مكثفة قوات الاحتلال أثناء محاولة تحرك في منطقة برعشيت.
* اعتراضات القبة الورقية: في دلالة على استمرار الاستنزاف، دوت صفارات الإنذار وسمعت اعتراضات صاروخية فوق المطلة وكريات شمونة بعد هجوم صاروخي من الخيام. هذا الضغط الميداني أدى إلى تفاقم أزمة جيش الاحتلال الذي سجل حالة انتحار جديدة لجندي إسرائيلي في الشمال بعد إصابته بـ”صدمة قتال”.

الغطاء السياسي الداخلي:
في الداخل اللبناني، تلقى رئيس الجمهورية اللبنانية اتصالاً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أُكد فيه على أولوية استقرار وسيادة لبنان. من جانبه، حسم رئيس مجلس النواب نبيه بري الجدل بوضوح، مؤكداً أن “لبنان بند أساسي في الاتفاق الإيراني-الأمريكي”، وأن الانسحاب الإسرائيلي سيبدأ على مراحل محددة خلال ستين يوماً، رافضاً أي فكرة لـ”المناطق التجريبية”، ومؤكداً أن المسار القطري-السعودي قد نجح فعلياً كبديل للمسار المباشر الفاشل الذي جرى في واشنطن سابقاً.

الخلاصة والتوقع الاستراتيجي:

تثبت مجريات اليوم أن المعرقل الأوحد للاتفاق هو الكيان الإسرائيلي. إن خطاب نتنياهو المأزوم، ومحاولاته اليائسة لخرق التعليمات الأمريكية والقيام بتحركات استعراضية نحو علي الطاهر وبرعشيت، تعكس تخبطاً استراتيجياً لجيش فقد زمام المبادرة.
المآل الميداني: أي حماقة إضافية يرتكبها ترامب، سواء بالتغاضي عن انتهاكات نتنياهو أو التلاعب بتنفيذ بند رفع الحصار، ستؤدي حتماً إلى تفعيل بند العقاب الإيراني (المادة 13). هذا يعني العودة المباشرة للتهديد بتوجيه ضربات قاصمة للكيان، مما قد يؤدي إلى نسف توقيع جنيف وعزل إسرائيل دولياً بشكل غير مسبوق.
رسالة الميدان واضحة: إذا اعتقد العدو أنه قادر على استغلال مرحلة الستين يوماً للبقاء في الجنوب أو الاستمرار في قصف الجنوب، فإن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي. دماء الشهداء لم تجف بعد، والكمائن مزروعة في كل وادٍ، والأصابع لا تزال على الزناد لضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل، رغماً عن أنف نتنياهو.