حياكة “السجادة” الإيرانية تعزل واشنطن وتكبل الكيان، وطلائع العودة تفرض معادلة التشبث بالأرض  

الثلاثاء 16 حزيران 2026

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

يدخل الصراع الإقليمي الكبير يومه التاسع بعد المئة على وقع تحول تاريخي يكرس تراجعاً استراتيجياً للإدارة الأمريكية أمام صلابة وحنكة الدبلوماسية الإيرانية. فبينما تحاول واشنطن وتل أبيب امتصاص حجم الهزيمة، قفز الأمريكيون في الحفرة التي حفرها الإيرانيون بعناية طوال أشهر الصدام، كما أقر المحلل العسكري الصهيوني أمير بوخبوط الذي اعتبر الاتفاق “اتفاق حلم” لإيران وكارثة استراتيجية مطلقة لكيان الاحتلال الذي وجد نفسه مجرداً من أهدافه مجتمعة، دون تفكيك غرام واحد من اليورانيوم المخصب أو المساس بالقدرات الصاروخية ومحور المقاومة.
وفي دلالة واضحة على الانكفاء العسكري الأمريكي لحماية المصالح بعد فرض الشروط السيادية لطهران، كشفت القناة 12 العبرية أن الجيش الأمريكي بدأ بالاستعداد الفوري لإخلاء نحو 20% من طائرات التزوّد بالوقود جواً المتمركزة في مطار بن غوريون.

أولاً: كواليس حياكة الاتفاق ولسعات الردع المتبادل

كشفت الأوساط الدبلوماسية والسياسية عن دقة الصياغة في مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي يدخل سريان مفعولها الرسمي يوم الجمعة المقبل في جنيف:
* حياكة السجادة الإيرانية: كشف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أمام زواره عن ارتياحه الشديد لبنود الاتفاق الـ14، مؤكداً أن كل بند تمت صياغته بدقة متناهية؛ حيث عمدت طهران إلى حياكته كـ”السجادة العجمية” بنَفَسٍ صبور واحتراف سياسي عالٍ. وأضاف بري بتهكم رداً على المنزعجين من التسوية: “مَن يشعر بأنّه منزعج أو مقهور من الاتفاق لا يكون لبنانياً”.
* معادلة أطراف الاتفاق وحق الرد: حسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التوصيف القانوني للمسار الجديد أمام السفراء الأجانب، معلناً بوضوح: “الطرف الأول في المذكرة هو أمريكا وإسرائيل، والطرف الثاني هو إيران وحزب الله”. وفي السياق، أكدت مصادر إيرانية مطلعة لصحيفة الأخبار أن التفاهم لم يسقط حق طهران في الرد على عدوان الضاحية الأخير، بل إن الحق لا يزال قائماً ومحفوظاً، وإن الآليات الجديدة في المادة 13 تنظم معاقبة أي خرق مستقبلي قد يفجر التفاهم كلياً، مما يثبت ترابط الساحات قانونياً وعملياً.
* لغز ضربة الضاحية: في المقابل، لا تزال المنظومة الأمنية الصهيونية تعيش إرباكاً حول هوية المستهدف في غارة الضاحية الأخيرة؛ حيث أشار تيشلر (i24NEWS) إلى “إحباط مسؤول كبير” دون أن تجرأ إسرائيل حتى الساعة على تحديث أو إعلان الهوية، خشية تفجير المسار قبل توقيع الجمعة.

ثانياً: المأزق الصهيوني.. عويل في الكابينت وارتباك على الحافة الأمامية

تعيش المؤسستان السياسية والعسكرية في الكيان حالة إحباط وارتباك غير مسبوقة جراء تجريدهم من أدوات المناورة:
* ارتباك الميدان والإحراج: نقلت القناة 12 العبرية عن مصادر عسكرية رصد حالة من الإحباط والارتباك العارم في صفوف قوات جيش الاحتلال داخل جنوب لبنان مع احتمال صدور أوامر وشيكة بالانسحاب. واعترف مسؤول إسرائيلي لـ “i24NEWS” بحجم الإحراج الشديد الناجم عن إدراج لبنان كبند رئيسي ثابت في الاتفاق بعد أن استسلمت واشنطن كلياً لإيران.
* سقوط حرية الحركة ومشاريع التجريب: سخرت وسائل إعلام عبرية من خلو تصريحات نتنياهو ووزير حربه من مصطلح “حرية الحركة في لبنان”. وحول هذه النقطة، جزم الرئيس بري بأن تل أبيب فقدت كلياً بموجب المذكرة أي قدرة على العمل الاستباقي أو المناورة، مؤكداً رفضه المطلق لما يُطرح حول “المناطق التجريبية” قائلاً: “لبنان مقسم إلى أقضية وليس إلى مناطق تجريبية، ولا مكان في قاموسي لطروحات تستهدف تمطيط الانسحاب لسنتين، والمطلوب انسحاب سريع وشامل خلال مهلة الـ 60 يوماً بضمانة ترامب ورقابة إيران الكاملة”.
* إحباط “معاريف” وجلد الذات: سادت المنظومة الأمنية الإسرائيلية حالة من السخط العارم لعدم قدرة المستوى السياسي على ترجمة التدمير والنار إلى إنجاز سياسي تاريخي، في حين واصل نتنياهو الهروب عبر تخويف المستوطنين من “الإبادة الفورية” للتغطية على حقيقة الفشل الذريع.

ثالثاً: سحق بساط الدبلوماسية.. إحراج عون وسلام أمام اتصال عراقجي

تجلت المفارقة الكبرى وهشاشة الخيارات السياسية للسلطة اللبنانية في المشهد الدبلوماسي عقب إعلان الاتفاق:
* عزلة الرئاسة والحكومة وسقوط الرهانات: كشف جان عزيز، مستشار رئيس الجمهورية لرويترز، عن واقع صادم قائلاً: “منذ توقيع الاتفاق ليلاً لم يتحدث أحد مع فخامة الرئيس، حاولنا الاتصال بالإدارة الأمريكية والسفير في بيروت ولم نلقَ أي جواب”، مما دفع بعبدا لتكليف سفيرة لبنان في واشنطن بالاستقصاء والبحث.
* الاتصال الذي أخجل الجميع: القوى التي شنت حرباً شعواء على الدبلوماسية الإيرانية في الأيام الأولى وتغنت بـ”الصديق ترامب” ورعايته، وجدت نفسها معزولة؛ فالصديق الأمريكي لم يعرها أي اهتمام ولم يتصل بها، بينما بادر وزير خارجية إيران عباس عراقجي بالاتصال برئيس الجمهورية جوزيف عون لإبلاغه بالاتفاق والتأكيد على ثوابت سيادة لبنان؛ في موقف “أخجل السلطة اللبنانية صدقاً” وأثبت من هو الحليف الوفي وقت الشدائد. ورغم هذا الخذلان، سارعت بعبدا والسرايا لعقد اجتماع صباحي بين عون ونواف سلام للبحث في تداعيات الاتفاق والتحضير لجولة “ديكورية” جديدة في واشنطن يوم 22 حزيران للتوسل من أجل الانسحاب، في حين أن المسار الحقيقي أُنجز في إسلام آباد وجنيف بقوة المقاومة.

رابعاً: طلائع العودة العفوية وبلاغات الميدان الأخيرة لـ كفرتبنيت

ميدانياً، فرض الشعب اللبناني ومقاومته وقائع السيادة على الأرض دون انتظار الإجراءات اللوجستية:
* طوفان العودة: أشاد الرئيس نبيه بري بطلائع العودة العفوية والتلقائية لمئات العائلات والنازحين إلى بيوتهم وقراهم في الجنوب والضاحية، معتبراً أن هذه العودة السريعة والجريئة هي أصدق تعبير عن تمسك الجنوبيين بأرضهم وإسقاطهم لمشاريع التهجير، تاركاً للأهالي حرية تقدير الموقف الأمني ميدانياً بالتنسيق مع الجيش اللبناني الذي دعا للحذر من مخلفات القصف.
* بيانات الختام الناري في كفرتبنيت (15 حزيران): وثق الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية آخر ضربات التصدي المباشر؛ حيث رصد المجاهدون عند الساعة 18:15 مساء أمس قوة مدرعة (جرافة ودبابتين ميركافا) تتقدم من حمى أرنون نحو معبر كفرتبنيت، فتم سحقها بالصواريخ الموجهة ومحلقات أبابيل الانقضاضية وإجبارها على الانكفاء. وعند الساعة 22:00، أعاد جيش الاحتلال استقدام تعزيزات مؤلفة من 5 دبابات ميركافا و4 آليات نحو المعبر ذاته، فدكتها المقاومة بصلنيات صاروخية وقذائف مدفعية ثقيلة مجهضة آخر محاولات الاستعراض العملياتي للاحتلال.
* مباركة محور القدس: خرجت مسيرات حاشدة في صعدة اليمنية لتبارك لإيران وحزب الله ومحور الجهاد هذا الانتصار التاريخي الكبير ضد طواغيت الأرض، مع التأكيد على ضرورة إبقاء الاستعداد واليقظة لمواجهة أي غدر وخيانة صهيونية معتادة.

الخلاصة والتوقع العملياتي (الزناد والأوراق المخفية):

يُطوى الفصل العسكري الأساسي لهذه المواجهة التاريخية بانتصار خالص لمحور المقاومة فرضته حياكة إيرانية متقنة فككت أهداف العدوان بالكامل. وكما لخص المشهد الاستراتيجي قائد فيلق القدس العميد إسماعيل قاآني في حديثه لشبكة خبر: “بورك للشعب الإيراني والمقاومة الإقليمية الباسلة اللذان أثبتوا على أعتاب محرم المعنى الحقيقي لـ ‘هيهات منا الذلة’. ووصيتي للأمريكيين والصهاينة: من مصلحتكم أن تصغوا، لا تنخرطوا مجدداً في المواجهة، لأن أوراقاً أخرى غير مضيق باب المندب ومضيق هرمز ستُكشف”.
إن محاولات حكومة نتنياهو المهزومة للمشاغبة أو إطلاق النار النقطي لن تغير من حقيقة الاندحار؛ فالتفاهمات الحالية ربطت وقف الحرب بإنهاء الاحتلال وسحب الآليات رغماً عن أنف الكابينت المحصن تحت الأرض. الساعات القادمة حتى يوم الجمعة ستبقى محكومة بالحذر الشديد؛ فالأرض لا تزال رطبة بدماء الشهداء الأبرار الذين عبدوا طريق العودة، ورجال الحافة الأمامية لا يزالون رابضين في دشمهم، وأصابعهم ممسكة بالزناد. أي غدر إسرائيلي أو محاولة لخرق الاتفاق لن تواجه فقط بانهيار المسار الدبلوماسي وعزل الكيان دولياً، بل ستُفتح لها مخازن “الأوراق الأخرى” التي تحدث عنها قاآني، لتتحول مغامرة نتنياهو الأخيرة إلى محرقة شاملة تقتلع ما تبقى من أوهام وجوده في المنطقة كلياً.