“اعتذار ترامب” أو تفجير الإقليم: كيف سترسم خطة النقاط الست الإيرانية مسار ما بعد أزمة جنيف؟  

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

إن رفع السقف الإيراني المفاجئ في سويسرا—بتحويل المطالب من مجرد “وقف العدوان” إلى “الانسحاب الكامل والشامل من جنوب لبنان”، مقروناً باشتراط اعتذار علني أو تراجع من ترامب عن تصريحاته المسيئة—يُمثل نقلة نوعية من استراتيجية “الردع” إلى استراتيجية “الإجبار”. طهران التقطت اللحظة الحرجة لترامب (انخفاض أسعار البنزين، وحاجته لإنجاز فرساي الشخصي) وضغطت بقوة على مكامن الألم الأمريكي.
بناءً على المعطيات الميدانية، والرسائل السرية المتبادلة التي رفعت فيها واشنطن الغطاء الدفاعي عن تل أبيب في حال تمادت، تتحدد السيناريوهات المتوقعة في ثلاثة مسارات رئيسية:

السيناريو الأول: مسار الخضوع الأمريكي ولجم نتنياهو

في هذا المسار، يجد ترامب نفسه محاصراً بين إغلاق فعلي ومثبت لمضيق هرمز بأمر بحرية حرس الثورة، وبين انهيار أسواق الأسهم والوظائف التي تباهى بها قبل ساعات. ترامب، ببراغماتيته الباردة، لن يضحي باقتصاده لأجل طموحات نتنياهو الحزبية.
* الآلية التنفيذية: سيقوم وزير الخارجية ماركو روبيو، في اتصاله المرتحل مع نتنياهو، بنقل “الأمر العملياتي الأمريكي الصارم”. واشنطن ستسيل مضمون الرسالة السرية الأخيرة؛ وتبلغ تل أبيب رسمياً بأن المظلة الدفاعية الأمريكية (التي تمثل ثلثي سلاح الكيان) لن تحميه في حال تعرضه لضربة باليستية إيرانية مباشرة رداً على خروقات جنوب لبنان.
* المآل الدبلوماسي: سيعمد ترامب إلى صياغة “مخرج لغوي دبلوماسي” يلتف به على تصريحاته لإرضاء كبرياء طهران، مع إجبار الكابينت الإسرائيلي على القبول الفوري بصيغة “الانسحاب بالأقضية الإدارية” التي طرحها الرئيس نبيه بري كبديل للمناطق التجريبية الفاشلة، ليعود الوفد الإيراني (قاليباف-عراقجي) إلى قاعة بورغنشتوك من موقع المنتصر الذي فرض جدول أعماله.

السيناريو الثاني: التفجير الشامل وتفعيل المادة “13” (مسار حافة الهاوية العسكري)

يتحقق هذا السيناريو في حال نجاح اللوبي الصهيوني داخل واشنطن في الضغط على ترامب، وتجرؤ نتنياهو ووزراء اليمين المتطرف (سموتريتش وبن غفير) على المضي في “الضم الزاحف” وقصف قرى النبطية والبقاع لتثبيت واقع “المنطقة العازلة” بعمق 10 كم داخل الخط الأصفر.
* الآلية الميدانية والبحرية: طهران لن تنتظر طويلاً؛ وستنتقل فوراً لتفعيل “خطة بزشكيان ذات النقاط الست” المضادة للمراوغة الأمريكية. بحرية الحرس الثوري ستفرض إغلاقاً عسكرياً مطبقاً ونارياً لمضيق هرمز، مع تفعيل حظر عبور أي سفينة لا تنصاع للمسار جنوب جزيرة لارك، مما يرفع أسعار النفط لمستويات كارثية غير مسبوقة عالمياً.
* الرد العسكري المباشر: استناداً إلى المادة 13 (البند العقابي في مذكرة التفاهم)، وبغطاء من “التحذير الأمريكي المرفوع دفاعياً”، ستقوم القوة الجوفضائية الإيرانية بشن ضربة صاروخية وباليستية مباشرة وقاسية ضد مراكز حيوية في عمق الكيان (تل أبيب وحيفا)، ليتدحرج الموقف نحو مواجهة إقليمية مفتوحة تُجبر فيها واشنطن على الانكفاء كلياً.

السيناريو الثالث: المراوحة السياسية الطويلة والمفرمة المستمرة (سيناريو حرب الاستنزاف المضادة)

وهو سيناريو “لا حرب ولا سلم تفاوضي”، حيث يبقى الوفد الإيراني متمسكاً بمقاطعته ومكوثه في مقر إقامته بسويسرا، رافضاً الدخول في أي نقاش حول الملف النووي، مع استمرار مجموعات المتابعة اللوجستية والتقنية (القطرية والباكستانية) في حركة مكوكية خلف الكواليس لتفكيك العقد العالقة.
* الوضع في الميدان: على أرض الجنوب اللبناني، سيتحول الهدوء الحذر إلى غطاء لكمائن نوعية مستمرة. المقاومة الإسلامية، التي أعلنت التزامها بالهدنة مع إبقاء يدها على الزناد، ستتعامل مع بقاء جيش الاحتلال في مرتفعات علي الطاهر أو الطيبة كأهداف ثابتة في “ميدان رماية” (وفق توصيف رونين كوهين الميداني).
* النتيجة التراكمية: استمرار احتراق دبابات الميركافا وسقوط جنود لواء الكوماندوز وغفعاتي بالعشرات (بعد محرقة الـ 6 قتلى والـ 20 جريحاً الأخيرة)، سيرفع الكلفة البشرية والمعنوية داخل الشارع الصهيوني إلى حد لا يُطاق، مما يفجر أزمة الائتلاف الحكومي لنتنياهو من الداخل، ويجبر الكيان في نهاية المطاف على الاندحار التدريجي صاغراً دون الحصول على أي مكسب أمني أو سياسي.

خلاصة القراءة:
مغادرة الوفد الإيراني لقاعة الاجتماعات ليست انسحاباً مهزوماً، بل هي تفعيل لأوراق القوة الإجبارية. طهران وضعت ترامب أمام اختبار حقيقي لمصداقيته الكرنفالية: “إما أن تلجم نتنياهو وتجبره على الانسحاب الكامل من لبنان، أو أن اتفاقك التاريخي في فرساي ومستقبلك الاقتصادي سيحترقان بنيران هرمز ومفرمة علي الطاهر”. الأيام القليلة القادمة ستشهد كسر عظم حقيقي، والثابت الوحيد أن موازين القوى لم تعد بيد واشنطن وتل أبيب، بل تُكتب بحبر الصواريخ وسواعد المقاومين في الثغور.