اليوم الثامن والسبعين (2) : واشنطن على حافة الانتحار الاستراتيجي، فخ السابع عشر من أيار يتجدد، والخليج يتحصن للمواجهة الكبرى!  

التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي الشامل لمساء  أمس السبت 16 أيار 2026:

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

نقف في مساء اليوم الثامن والسبعين للحرب أمام مشهد شديد التعقيد، تتقاطع فيه نذر الحرب الإقليمية الشاملة مع محاولات الالتفاف الدبلوماسي اليائسة. لقد أثبتت التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة خلال الساعات الماضية أن المنطقة تعيش في عين العاصفة، حيث تصطدم الإرادة الإيرانية واللبنانية الصلبة بمحاولات واشنطن وتل أبيب لإعادة صياغة الخرائط الجيوسياسية والأمنية عبر مزيج من التهديد الاستراتيجي والتخريب الداخلي. إن تسريبات البنتاغون حول عمليات برية مفترضة في العمق الإيراني، مقترنة بتحشيد بحري وجوي غير مسبوق يشمل حاملات طائرات نووية وقاذفات استراتيجية، لا تعكس فائض قوة، بل تجسد حالة من الإفلاس العملياتي بعد عجز الحملة الجوية عن تركيع طهران.

بالمقابل، تقف الجبهة اللبنانية أمام أخطر منعطف سياسي منذ عقود، مع محاولة تمرير وثيقة استسلام مبطنة في واشنطن تعيد إلى الأذهان حقبة السابع عشر من أيار، وهو ما واجهته المقاومة بحزم في الميدان والسياسة، في حين بدأت العواصم الخليجية تتخذ إجراءات عسكرية استثنائية، تحسبا لارتداد النيران إلى عقر دارها.

أولا: الجنون العملياتي في البنتاغون ومقامرة القوات الخاصة

التسريبات التي كشفت عنها صحيفة نيويورك تايمز حول خطط مساعدي ترامب لاستئناف الضربات العسكرية، تتجاوز في خطورتها كل ما سبق. الحديث عن إمكانية نشر قوات عمليات خاصة على الأرض للسيطرة على جزيرة خارك، أو لاختراق موقع أصفهان لتأمين اليورانيوم العالي التخصيب، يمثل انتحارا عسكريا بكل المقاييس الأكاديمية والاستراتيجية.

عملية بهذا الحجم المعقد في عمق أراض معادية جبلية ومحصنة، تتطلب إنزالا جويا وبحريا هائلا، وآلافا من قوات الدعم لتأمين طوق حماية، مما يضع ألوية النخبة الأمريكية في مصيدة نيرانية محكمة أمام الحرس الثوري الإيراني. هذا الطرح العبثي يعكس حقيقة واحدة: إن الإدارة الأمريكية، وبعد استنزاف 29 مليار دولار وكميات هائلة من صواريخ الاعتراض، تدرك أن القصف الجوي الكلاسيكي فشل في شل البرنامج النووي أو كسر الإرادة السياسية، وتلجأ الآن للتهويل بعمليات برية شبه مستحيلة لإرضاء الضغوط الإسرائيلية.

ثانيا: التحشيد الجوي والبحري.. استعراض القوة على رقعة الشطرنج

ترافق هذا التهويل الإعلامي مع تحركات عملياتية ولوجستية هائلة رصدتها أدوات الاستخبارات المفتوحة وحركة الطيران، والتي ترسم خريطة استعداد لحملة طويلة الأمد:
1. الجسر اللوجستي المفتوح: تجاوز عدد رحلات طائرات النقل الاستراتيجي سي-17 غلوب ماستر الثالثة عتبة الـ 1320 رحلة باتجاه نطاق القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم). هذا الضخ اللوجستي المتواصل من قواعد مثل بوب ودياغو غارسيا يدل على إعادة ملء المستودعات التي استنزفت، والتحضير لمرحلة تصعيد قد تتطلب ذخائر نوعية أو معدات دعم للقوات الخاصة.
2. الثالوث الرادع: رصد تحليق القاذفة الشبحية بي-2 سبيريت (بنداء WENCH 11) فوق الأطلسي بالتنسيق مع طائرة القيادة والسيطرة النووية إي-6 بي ميركوري في شتوتغارت، وعودة القاذفة بي-52 إلى فيرفورد، إلى جانب استمرار رحلات البي-1 بي لانسر، يشير إلى تدريبات متقدمة تحاكي توجيه ضربات استراتيجية عميقة ومباغتة لمنشآت نووية.
3. التموضع البحري وحلفاء الناتو: وصول حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول (الحاملة النووية الوحيدة خارج أمريكا والمجهزة بمقاتلات رافال وأنظمة آستر) إلى بحر العرب، لتنضم إلى الحاملة الأمريكية لنكولن أو بوش، يؤكد وجود خطة غربية منسقة لكسر الحصار الإيراني في مضيق هرمز بالقوة، وتأمين غطاء جوي كثيف بعيدا عن القواعد البرية الخليجية.

ثالثا: الاستنفار الخليجي.. حتمية الارتداد النيراني

أمام هذا التحشيد، تدرك دول الخليج أنها ستكون الخاصرة الرخوة في أي مواجهة شاملة. القرار القطري المفاجئ بتجميد تسليم 12 مقاتلة يوروفايتر تايفون لتركيا، والاحتفاظ بكامل الأسطول، إلى جانب تكثيف عمل مقاتلات الرافال المصرية في الإمارات، وتجميد تصدير الميراج 2000، يمثل تطورا استراتيجيا بالغا. الخليج يدرك أن الضربة الأمريكية، إن وقعت، ستنطلق جزئيا من قواعده أو أجوائه، مما سيحوله إلى طرف قتالي مباشر. التصريح الواضح للمسؤول العسكري الإيراني لوكالة نور نيوز بأن الأهداف التي كانت آمنة سابقا أصبحت في المرمى، وأن الخطة الجديدة تستهدف نقاط الضعف الموسمية وضغوط الطاقة، هو إنذار مبكر بأن منصات النفط وتحلية المياه والقواعد المشتركة في الخليج ستسوى بالأرض في الدقائق الأولى لأي هجوم أمريكي.

رابعا: الجبهة اللبنانية.. إعلان النوايا ومحاولة استنساخ السابع عشر من أيار

في واشنطن، تتكشف فصول أخطر مؤامرة تستهدف سيادة لبنان منذ عقود. بيان الخارجية الأمريكية عن تمديد الهدنة 45 يوما وإطلاق مسار أمني في البنتاغون نهاية الشهر، يمثل غطاء لتمرير ورقة إعلان نوايا خطيرة.
المخطط الذي سرب من كواليس التفاوض يسعى لتحويل الجيش اللبناني إلى قوة أمنية وظيفية لخدمة إسرائيل. نشر 7 آلاف جندي جنوب الليطاني، وإزالة 180 منشأة، هو مقدمة لما يطمح إليه العدو: تشكيل قوة خاصة لنزع سلاح المقاومة بإشراف مباشر من لجنة مراقبة أمريكية-إسرائيلية.
حزب الله استبق هذا الفخ ببيان سياسي وتاريخي حاسم في ذكرى السابع عشر من أيار، رافضا أي إملاءات أمريكية أو وصاية خارجية، ومحذرا السلطة اللبنانية من التنازل المجاني الذي سيجر البلاد إلى صدام داخلي، وهو الهدف الإسرائيلي الأسمى لإراحة جبهتها المنهارة.

خامسا: الميدان يكتب الكلمة الفصل.. مقبرة الميركافا مستمرة

بينما يخطط السياسيون في واشنطن لنزع سلاح المقاومة على الورق، كانت المقاومة الإسلامية تفكك ألوية العدو المدرعة على الأرض. حصيلة الأمس واليوم كارثية للجيش الإسرائيلي: تدمير 6 دبابات ميركافا في البياضة، رشاف، الطيبة، وتل نحاس، وسحق 4 جرافات دي 9 وآليات هندسية وناقلات جند. المقاومة لم تعد تكتفي بالدفاع، بل تشن هجمات استباقية بالمسيرات الانقضاضية الموجهة بالألياف البصرية وبصواريخ أرض-جو، محققة إصابات دقيقة أجبرت مروحيات العدو على التدخل تحت غطاء دخاني كثيف لسحب أشلاء جنودها. الميدان يثبت أن قوة المقاومة تتصاعد، وأن الحديث عن نزع سلاحها هو مجرد هلوسات سياسية لا علاقة لها بتوازنات القوة الفعلية.

سادسا: الانقسام الأمريكي الداخلي والموقف الأخلاقي

لا يمكن إغفال التصدع الداخلي في واشنطن. التصويت في مجلس النواب الذي انتهى بتعادل 212 صوتا لتقييد صلاحيات ترامب، يعكس انقساما عموديا. تصريحات عمدة نيويورك والسيناتور كريستين غيليبراند تعبر عن غضب شعبي عارم إزاء إهدار 29 مليار دولار في حرب خاسرة بينما ترتفع أسعار الغذاء والوقود (الديزل يتجاوز 6 دولارات في ميشيغان). في المقابل، تأتي رسالة الرئيس الإيراني بزشكيان لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، لتكريس تفوق أخلاقي ودبلوماسي إيراني، ولعزل الموقف الأمريكي وإظهاره كقوة استعمارية تسعى لتدمير المنطقة.

الخلاصة والمسار القادم

نحن نقف على رقعة شطرنج جيوسياسية قابلة للاشتعال بقرار واحد خاطئ. الموقف التفاوضي الإيراني لا يزال ثابتا حول إنهاء الحرب في كل الجبهات ورفع العقوبات وإدارة هرمز، وهو ما يعزز صمود لبنان في مفاوضاته الشرسة.

الأرجح، ستحاول الإدارة الأمريكية، العاجزة عن تحمل التبعات الاقتصادية لكارثة هرمز وقرب الانتخابات، استغلال مهلة الـ 45 يوما في لبنان لتمرير اتفاقات جانبية، وممارسة ضغوط قصوى على طهران دون الانزلاق لمواجهة عسكرية شاملة. سيتم تفعيل قنوات خلفية للتوصل إلى صفقة ما مقابل فتح المضيق جزئيا، مع ترك مسألة لبنان لحلول وسط تضمن سيادة الدولة دون صدام مع المقاومة، نظرا لاستحالة تطبيق الشروط الإسرائيلية ميدانيا وداخليا.

وإلا نحن ذاهبون إلى أن تتغلب المكابرة الترامبية والضغوط الإسرائيلية على لغة العقل، فيصدر القرار بشن الهجمات الانتقامية على منشآت الطاقة إيرانية أو إنزالات بريّة، مصحوبا بتوسيع التدمير في لبنان. هذا الانفجار سيقابله فورا تفعيل إيران لخطة الرد الشامل التي تم إبلاغها للوحدات العملياتية، والتي ستستهدف بشكل مدمر كل البنية التحتية للطاقة والقواعد في دول الخليج التي ستعتبر أهدافا مشروعة، بالإضافة إلى الإغلاق التام لمضيق هرمز. حينها سيسقط الاقتصاد العالمي في أتون أزمة لا سابقة لها، وستتحول المنطقة بأسرها إلى مسلخ عسكري ينهي الوجود والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط إلى الأبد.