اليوم العالمي لحماية الطفل: طفولة فلسطين بين عراقة التاريخ ومرارة الحاضر وسقوط الشعارات

البيضاء نت | تقرير خاص 

مناسبة أممية وواقع مغاير ؛ في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ اليوم العالمي لحماية الطفل (الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وتتزين فيه المنصات الدولية بالشعارات البراقة حول حقوق الطفل في التعليم، والصحة، واللعب، والأمان، يعيش الطفل الفلسطيني تفاصيل واقعٍ مغاير تماماً.

بين تاريخ إقرار هذه المناسبة وحاضرها المعاش، تتجلى الفجوة الهائلة بين “النصوص الدولية” و”الواقع الميداني”. في فلسطين، لا يبحث الطفل عن “رفاهية” اللعب، بل عن حقه الأساسي والأول: الحق في الحياة.

دلالات التأسيس: متى بدأ العالم يلتفت للطفل؟

تاريخياً، يعود الاهتمام الدولي بحماية الطفل إلى النصف الأول من القرن العشرين:

  • عام 1954: دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة دول العالم إلى إقامة يوم عالمي للطفل ليكون يوماً للتآخي والتفاهم بين الأطفال على نطاق عالمي.

  • 20 نوفمبر 1959: اعتمدت الأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل.

  • 20 نوفمبر 1989: وقعت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وهي المعاهدة الحقوقية الأكثر صدقاً واعتماداً في التاريخ.

الدلالة والمعنى: كان الهدف من هذه المواثيق خلق درع قانوني وأخلاقي يحمي براءة الطفولة من ويلات الحروب والنزاعات، وضمان نشأة جيل سوي نفسي وجسدي. ولكن، كيف يترجم هذا التاريخ في الجغرافيا الفلسطينية اليوم؟

حاضر أطفال فلسطين: الطفولة المستهدفة

إذا كان العالم يقيس حماية الطفل بمستوى جودة التعليم الرقمي ومكافحة السمنة، فإن مقاييس حماية الطفل في فلسطين (خاصة في قطاع غزة والضفة الغربية) تُقاس بأرقام الضحايا والمأساة غير المسبوقة في التاريخ الحديث.

1. الإبادة الجسدية والأرقام الصادمة

تشير التقارير الحقوقية والفلسطينية إلى أن الأطفال هم الضحية الأكبر في الاستهداف المستمر، وتحديداً في المجازر الأخيرة بقطاع غزة:

  • الشهداء والجرحى: استشهاد آلاف الأطفال، حيث يشكل الأطفال والنساء النسبة الأكبر (نحو 70%) من إجمالي ضحايا العدوان.

  • الأيتام: عشرات الآلاف من الأطفال باتوا يعيشون دون أحد والديهم أو كليهما، وظهور مصطلح طبي وإنساني جديد في غزة وهو: “طفل جريح بلا عائلة باقية على قيد الحياة” (WCNSF).

2. الحرمان من مقومات الحياة الأساسية

  • المجاعة وسوء التغذية: يعاني أطفال غزة من حصار خانق أدى إلى انتشار المجاعة الجافة، وسُجلت حالات وفاة عديدة لأطفال ورضع بسبب الجفاف وسوء التغذية الحاد.

  • المنظومة الصحية: انهيار المستشفيات أدى إلى حرمان الأطفال المرضى والجرحى من العلاج، وإجراء عمليات بتر أطراف لبعضهم دون تخدير.

3. اغتيال الحق في التعليم

تحولت المدارس (سواء الحكومية أو التابعة للأونروا) إما إلى ركام بفعل القصف، أو إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين، مما يعني حرمان جيل كامل من الأطفال من حقهم في التعليم لسنوات متتالية، وهو ما يُعرف بـ “التجهيل القسري”.

4. الطفولة خلف القضبان (الضفة الغربية)

في الضفة الغربية والقدس، لا يختلف المشهد في جوهره؛ حيث يتعرض الأطفال لسياسة الاعتقال الممنهج والمحاكمات العسكرية في محاكم الاحتلال، ويُحرمون من أبسط حقوق المحاكمة العادلة، بالإضافة إلى سياسة الحبس المنزلي لأطفال القدس.

 

الخلاصة والدلالات:

سقوط “أقنعة” القانون الدولي؛ “إن اليوم العالمي لحماية الطفل يقف اليوم عاجزاً أمام نظرات أطفال فلسطين؛ فالقوانين الدولية التي صِيغت لحمايتهم أثبتت عجزها وفشلها في توفير غطاء أمني يحميهم من الصواريخ أو يضمن لهم كِسرة خبز وجرعة ماء نظيفة.”

تتمثل الدلالة الأبرز لهذا اليوم في الوقت الحالي بـ “ازدواجية المعايير الدولية”. فالعالم الذي يتحرك بوجدان جماعي لإنقاذ أطفال في بقعة جغرافية معينة، يصاب بالخرس الصادم عندما يتعلق الأمر بالطفل الفلسطيني، مما يجعل الاحتفاء بهذا اليوم مجرد طقس بروتوكولي يخلو من أي مضمون حقيقي ما لم تتوقف آلة الحرب ويُحاسب الجناة.

ويبقى الطفل الفلسطيني، رغم كل هذا الركام، رمزاً أسطورياً للصمود؛ فهو ينضج قبل أوانه، ويحمل على عاتقه هموم وطن، منتظراً يوماً عالمياً حقيقياً يحميه، ليس على الورق، بل فوق تراب أرضه بحرية وكرامة.