عاشوراء.. مدرسة الدم المنتصر على السيف وطغيان العصر

البيضاء نت | تقرير خاص 

 

تطلّ ذِكرى عاشوراء، استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، في ظرفية تاريخية تعيش فيها الأمة إرهاصات صراع مصيري يعيد إلى الأذهان ذات المفاصل التي رُسمت بالدم والشهادة في كربلاء عام 61 للهجرة. إن هذه الذكرى، في عمقها القرآني والرؤية التي أسس لها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، ويقود لواءها اليوم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، لا تُمثّل مجرد واقعة تاريخية تُستدرّ فيها العواطف والمظلومية، بل هي “محطة تعبوية استراتيجية” وصيحة وعي مستمرة لتصحيح مسار الأمة.

إن ثورة الحسين تُقرأ اليوم كضرورة دينية وأخلاقية لحفظ خط الهداية، حيث لم يكن خروجه ترفاً أو طلباً لسلطة، بل كان تحركاً بمسؤولية أمام الله لمواجهة الانحراف الخطير الذي هدد كينونة الإسلام الإنسانية والسياسية. ومن هذا المنطلق، تصبح كربلاء مدرسة لرفض طغاة العصر، وبوصلة حية ترشد الشعوب المستضعفة إلى أن مواجهة الاستكبار العالمي — المتمثل اليوم في أمريكا والكيان الصهيوني وأدواتهم — هي الامتداد الطبيعي لنهج سيد الشهداء، حيث تتطابق العناوين ويتجدد الموقف بين معسكر الحق الساعي للحرية والعزة، ومعسكر البغي الساعي لإخضاع الأمة وإذلالها.

الشرارة الأولى: ثورة الوعي والمبدأ

لم تكن حركة الإمام الحسين (ع) مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت خروجاً استراتيجياً لترميم البنية الأخلاقية والسياسية للأمة. في قراءتها لأبعاد هذه الثورة، تُجمع الدراسات التاريخية والسياسية على أن شعار الحسين الخالد: “أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي”، وضع الحجر الأساس لـ “ثورة الوعي”.

لقد واجه الإمام الحسين خيارين لا ثالث لهما: إما إعطاء الشرعية لسلطة جائرة مستبدة، أو الرفض المطلق الذي يعني بوضوح المواجهة الدامية. فاختار الرفض صوناً لكرامة الإنسان وحريته، ليصبح هذا الموقف مدرسة تلهم الأجيال بأن السكوت على الظلم هو مشاركة فيه.

كربلاء.. ميزان القوى العسكرية مقابل قوة الحق

من الناحية العسكرية، كانت معركة كربلاء غير متكافئة بمقاييس المادة؛ بضعة وسبعون رجلاً يواجهون جيشاً جراراً. لكن المنظور الثوري لعاشوراء يقلب هذه المقاييس:

  • التضحية بالذات والمصلحة الشخصية: قدم الإمام الحسين عائلته وأصحابه وقدم نفسه قرابين في سبيل المبدأ، مبرهناً على أن القضايا الكبرى تتطلب تضحيات جسيمة.

  • انتصار الدم على السيف: تحولت شهادة الحسين من انكسار عسكري ظاهري إلى انتصار سياسي وأخلاقي ساحق على المدى الطويل، حيث زلزلت تلك الدماء عروش الطغاة وأنهت شرعيتهم الإنسانية والتاريخية.

“إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني” — لسان حال الثورة الحسينية في تقديم العام على الخاص، والمبدأ على الحياة.

الأبعاد العالمية: الحسين رمز إنساني عابر للجغرافيا

لم تعد عاشوراء حكراً على طائفة أو دين؛ بل تحولت إلى رمز عالمي ملهم لجميع الأحرار. فقد استلهم من فكر الحسين قادة ومصلحون عالميون في العصر الحديث. وفي هذا السياق، تبرز المقولة الشهيرة للزعيم الهندي غاندي:

“لقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين، شهيد الإسلام الكبير، ودققت في صفحات كربلاء، واتضح لي أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الحسين.”

إن هذا البعد الإنساني يؤكد أن رسالة كربلاء عابرة للأزمنة والحدود، وأن “عاشوراء” هي صرخة كل مظلوم في وجه كل طاغية، في أي مكان وزمان.

عاشوراء اليوم: بوصلة للشعوب المستضعفة

في الواقع المعاصر، لا تُقرأ عاشوراء كصفحة من الماضي، بل كحدث حيوي يلامس واقع الشعوب التي تعاني من الاحتلال، والاستبداد، ونهب الثروات، إن إحياء هذه الذكرى يمثل تجديداً سنوياً لالتزام الجماعات والأفراد بـ:

  1. رفض الخنوع: الإيمان بأن ثمن الحرية، مهما غلا، يظل أهون من ثمن الذل والعبودية.

  2. العدالة الاجتماعية: الثورة الحسينية كانت في جوهرها حركة لإنصاف الفقراء والمستضعفين ومواجهة الفساد المالي والسياسي.

  3. المسؤولية الفردية: كربلاء تعلّم المجتمعات أن الفرد الواحد (كالحر بن يزيد الرياحي مثلاً) يملك في لحظة تاريخية حرية الإرادة لتغيير معسكره والانحياز للحق.

الخاتمة:

عاشوراء كمنطلق عملي بصيرةً وجهاداً؛ ختاماً، يتجلى الدرس الأكبر لعاشوراء — كما يؤكد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي — في الانتقال بالذكرى من إطار التباكي السلبي إلى “مربع الموقف والمسؤولية العملية”. إن القيمة الحقيقية لإحياء ذكرى التضحية الحسينية تكمن في صناعة البصيرة الإيمانية التي تميز بين الحق والباطل في كل زمان ومكان، وفي ترسيخ ثقافة الاستشهاد والجهاد في سبيل الله كخيار وحيد لحفظ كرامة الأمة وحرية قرارها.

إن دم الإمام الحسين، الذي أريق في صحراء كربلاء، لم يذهب سُدى، بل تحول إلى وقود دائم يغذي روح المقاومة والصمود لدى الشعوب المستضعفة التي ترفض الخنوع لمنطق القوة والغطرسة. وفي القراءة المعاصرة لدروس آل البيت، فإن الموقف من الطغاة اليوم لا يحتمل الحياد؛ فالوفاء للحسين يترجم ميدانياً بالوقوف في وجه الطغيان، والتحرك بوعي ومسؤولية لرفع الهيمنة عن مقدرات الأمة. إن كربلاء ستبقى مدرسة خالدة تعلن في كل جيل أن العاقبة للمتقين، وأن طواغيت الأرض، مهما بلغت أدوات بطشهم وجبروتهم، محكومون بالسقوط والتلاشي أمام إرادة الشعوب التي تتسلح بروحية التضحية والوفاء لخط الأنبياء وأعلام الهدى.